ضمن سلسلة «مسارات متوسطيّة» التي يصدرها «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» كتاب يسلّط الضوء، لقرّاء الفرنسيّة، على المفكّر السوري البارز، ويتناول المحاور الأساسيّة لشغله النقدي


سناء الخوري
انطلق «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» IFPO في مشروع ترجمة صادق جلال العظم إلى الفرنسيّة منذ أربع سنوات... وها هو الكتاب يخرج إلى النور بعنوان «تلك المحرّمات التي ترعبنا ـــــ الإسلام الرقابة، الاستشراق» (Parenthèses)، واضعاً في متناول قرّاء لغة موليير مسيرة هذا المفكّر السوري البارز ومنهجه وإنجازاته ومعاركه. وربّما كان التمهيد القيّم الذي كتبه الباحث فرانك ميرمييه (IFPO - CNRS) خير تقديم كُتب بالفرنسيّة لصاحب «نقد الفكر الديني»، إذ يرسم مسيرة العظم ويضع نتاجه في السياق الفكري المعاصر منذ الستينيات، مقترحاً مفاتيح معرفيّة ومقاربات تمدّ جسوراً بين القارئ الفرنسي وهذا «الملحد الرسمي للعالم العربي».
يضمّ الكتاب مقابلة طويلة مع المفكر السوري أجراها الكاتب صقر أبو فخر قبل عقد، إضافةً إلى ثلاثة أبحاث نقديّة تستعيد تيمات العظم الأثيرة، نقلها عن العربيَّة والإنكليزيَّة جلال الغربي وجان بيار دحدح. من «الإسلام، الإرهاب والغرب اليوم» مروراً بـ«آيات شيطانيّة وبعد: العالمي، المحلّي، والأدبي»، وصولاً إلى «الاستشراق والاستشراق معكوساً»، يمثِّل الكتاب لقارئ اللغة الفرنسيّة خلاصةً لا بأس بها لمسيرة هذا المفكّر السوري والأستاذ الجامعي المشاكس، وإن لم تكن شاملة. لكن حين كان العظم يوقّع كتابه، الجمعة الماضي في «المركز الثقافي الفرنسي»، كان سؤال يطرح نفسه بقوّة: لماذا الآن؟ وهل أصبحت ترجمته إلى الفرنسيّة ضرورة نتيجة هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، و«انتفاضة» الضواحي الباريسيّة؟ يشرح فرانك ميرميه أنّ «الفكرة كانت إصدار سلسلة نقديّة بأقلام «من الداخل»، يتاح فيها لمفكرين عرض تحليلاتهم للواقع العربي المعاصر». وكتاب العظم هو الإصدار السادس ضمن سلسلة «مسارات متوسطيّة» التي ضمّت ترجمات لأبحاث سليم تماري وأحمد بيضون وغيرهما...
النقد «من الداخل»، أو النقد الذاتي بتعبير أدقّ، يمثّل العنوان العريض لفكر العظم. مبدأ أعلن المفكِّر بشيء يشبه المفاخرة أنّه يجعله «السائر عكس التيار» في الفكر العربي المعاصر. مبادئ أخرى يعود إليها في كتابه، أبرزها تحديد الصفة الضرورية للمثقّف «الحقيقي»، ألا وهي «إبقاء العواطف تحت سيطرة العقل». هذا الثابت في فكر العظم يحيلنا إلى مقارنة تقع في صلب الخطاب السياسي الراهن. مقارنة تفرز الأحداث العامّة بين أفعال خاضعة لتخطيط عقلاني وردود أفعال تنتصر فيها العاطفة، ليوصلنا إلى نظام فلسفي فكري صارم، يفصل بين الأفعال القائمة على نظام عقلي ممنهج والمشاعر العفويّة. هنا، يحلِّل العظم مثلاً «الشماتة» كردَّة فعل على هجمات 11 أيلول، وما يرافقها من استنتاجات تستنبط نظريّة المؤامرة كإجابة معلّبة جاهزة. يعود العظم هنا إلى «نقده العقلاني» لـ«الهزيمة»، وأثر الدراما السياسية على الحياة الخاصّة لجيل الستينيات.
في القسم الثاني، يحيلنا العظم إلى تيمته الأخرى، «حرية الفنّ»، انطلاقاً من قضيّة الكاتب سلمان رشدي و«الآيات الشيطانيّة». يلعب المفكّر بين السياسي والثقافي والديني، وعلاقة هذه المعطيات بالإبداع الفكري. يرفض العظم بالمطلق فكرة تراجع الأدب عن إلهام الشعوب وتحريك وجدانها وقضاياها الوجودية والفكريّة العميقة، ويهزِّئ صاحب «ذهنية التحريم» الأطروحات النقديّة الفرنسيّة حول «موت الكاتب».
أمّا في القسم الثالث والأخير، فيسترجع جدلية «الاستشراق» و«الاستشراق المعاكس»، مفنّداً نظريّة إدوارد سعيد التي طرحها في كتابه ـــــ المرجع «الاستشراق». بيت القصيد في طرح العظم هو النظرة المعاكسة التي يلقيها الشرقيّون على الغرب، ويختصرها بمصطلح «الاستغراب”، ما يعيد إلى الذاكرة الجدل القديم الجديد في كسر الحواجز بين الشرق والغرب وكره الغرب بالمطلق.
في هذا العرض المقتضب أسئلة قديمة كانت المحرّك لنقاشات صعبة في سنوات ما بعد الهزيمة، موضوعة في قالب جديد أنتجته هجمات 11 أيلول. لكن لماذا تُستعاد الآن؟ ألم يخسر الخط التحرري، كما يصفه العظم، جولات كثيرة أمام هجمات التحريم؟ يقول العظم: «لا جواب بسيطاً على هذا السؤال. الأصولية جاءت لتملأ الفراغ الناشئ بعد 67، ولتقطع خطّ التطوّر العربي، وتخلق قنبلة فراغيّة. وهذا ليس بحركة إنشائية، ولا نهضة ولا صحوة، بل ردّة فعل. وما شهدناه من حروب أهليّة ـــــ دينية متنقّلة في العالم العربي دليل على ضرورة العودة إلى أفكار ذات طابع علماني مدني».