عثمان تزغارت

قبل أن تغزو موسيقى الراي الجزائرية الساحة الغنائية الأوروبية، لتقفز إلى مصافّ العالمية، إثر النجاح المدوّي الذي حقّقه شريط «دي دي» لـ «الشاب خالد» في صيف 1992، كان هذا الصنف الغنائي الذي خرج من معطف الأغنية البدوية التراثية التي تشتهر بها مناطق الغرب الجزائري (من أشهر مؤسّسيها الفنانة الكبيرة، الراحلة «شيخة ريميتي») قد عانى ــــ على مدى عشرين عاماً ــــ الحظر والتهميش. ذلك أنّ الجيل الأول من «شبان» الراي (بلمّو، الشاب خالد، فرقة «راينا راي»، الشاب حميد...) قد شهروا هذا الغناء الشبابي سلاحاً في مواجهة فساد النظام واستبداد الحزب الواحد السابق (جبهة التحرير الوطني).
لم تقتصر الثورة التحديثية التي قام بها جيل «الشبان» مقارنة بأسلافهم «الشيوخ» في الجانب الموسيقي، على إدخال الآلات النحاسية، كالساكسوفون (بلمّو) والإلكترونية، كالسانتيتايزر (شاب خالد)، بل استعاروا أيضاً النبرة الفجّة التي اشتهر بها غناء شيوخ (وشيخات) البدوي، وطعّموها بنبرة تمردية سياسية واجتماعية، ما جعل الراي يتحوّل بسرعة إلى لسان حال الثورة الشبابية الثمانينية، عبر تيمات الرفض السياسي والتمرد على القبضة الحديدية لنظام الحزب الواحد، والتحرر من القيود الاجتماعية والجنسية.
بعد انتفاضة الشباب في تشرين الأول (أكتوبر) 1988، خرج الراي من الهامش حيث نشأ وترعرع، ونال الاعتراف الرسمي الذي يستحقّه. لكنّ احتضان السلطات رسمياً للراي ــــ رغم أنه أسهم في منح طابع أكثر احترافية، ما مهّد لوصوله إلى العالمية ــــ تضمّن فخّاً سياسياً أُريد من خلاله تدجين «شبان» الراي، واستعمالهم لضرب الأغنية السياسية البربرية ذات التوجه اليساري.
إلا أنّ سنوات الإرهاب (1993 ــــ 1999)، سرعان ما أعادت إلى الراي روحه المتمردة، فتحول إلى لسان حال الشباب الجزائري المتعلق بالحياة ومُتعها، في تحول إلى لسان حال الشباب الجزائري المتعلق بالحياة ومُتعها، في مواجهة القبضة الحديدية الجديدة التي سعت الجماعات الإسلامية إلى فرضها على البلاد. وقد دفع «شبان» الراي ضريبةً غالية بسبب ذلك الموقف الشجاع والطليعي، فاغتيل الشاب حسني في وهران، واضطر أغلب رموز الجيل الأول من الراي للرحيل إلى المنفى، وفي مقدمهم «ملك الراي» الشاب خالد، و«الأمير» الشاب مامي...
ومع استتباب الأمن، ظهر جيل جديد من «شبان» الراي الذين تصدّوا لإدانة فساد السنوات البوتفليقية، والتنديد بمظاهر «الانفتاح» (على الطريقة الساداتية) التي بسطها على البلاد الأثرياء الجدد الذين جنوا ثرواتهم من ريع الحرب. وسرعان ما سرقت موجة «الراب» الأضواء من «الراي»، حتى كادت تهزمه، خلال السنوات الأخيرة، في عقر داره. لكن لا أحد كان يتوقع أن يؤدي هذا التراجع إلى انتكاسة فنية وأخلاقية ستدفع ببعض «شبان» الراي الجدد للتحول إلى أبواق دعائيّة للحركة الإسلامية ذاتها التي دفع الجيل الذي سبقهم ضريبة الدم في سبيل التصدي لها.