راهن على «القوة الهادئة»، وعمل بعيداً عن الأضواء، وأحدثت مؤلفاته النظريّة والإبداعيّة نقلة جذريّة في وعي معاصريه. الكاتب وعالم الاجتماع المغربي (1938 ــ 2009) الذي كان يتمتّع بحفاوة أكاديميّة، أغمض عينيه أمس، واضعاً نقطة نهائيّة في مسيرة خصبة شملت الرواية والشعر والنقد والبحث. إنّه المثقف العربي الوحيد الذي نال جائزة «أهل الأدب» الفرنسيّة العريقة

عثمان تزغارت
غيّب الموت المفكّر والأديب المغربي الكبير عبد الكبير الخطيبي، عن 71 عاماً، إثر ذبحةٍ قلبية حادّة، فاجأته صباح أمس، بعدما كان قد تماثل إلى الشفاء من ذبحة أولى أدخلته العناية الفائقة في مسجد زايد في الرباط منتصف الشهر الماضي. على رغم إسهاماته البارزة التي بلغت 25 مؤلفاً في الرواية والشعر والنقد والبحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي والاحترام النقدي والحفاوة الأكاديمية اللذين حظي بهما، أوروبياً وعربياً، إلا أنّ الخطيبي ظل دوماً ذلك «الغريب المحترف»، كما كان يحلو له أن يقول... بتلك النبرة المحبّبة من التواضع الشخصي والمعرفي التي لم تفارقه حتى اللحظة الأخيرة، حين أدلى بحوار أخير لوكالة الأنباء المغربية، وهو على فراش المرض، الشهر الماضي. يومها، طلب ألا يُشار، إن أمكن، إلى أنّه المثقف العربي الوحيد الذي نال جائزة «أهل الأدب» Les gens des lettres الفرنسية المرموقة التي تأسّست عام 1838، على أيدي عمالقة من مصاف بالزاك وفيكتور هوغو وألكسندر دوما.
رفض عبد الكبير الخطيبي دوماً أن يكون له أتباع أو مريدون. وضحك ساخراً ممن حاولوا التنظير لمذهب فكري أو بحثي خاص به، قائلاً في مقالة شهيرة نشرها في مجلة «الكرمل» الفلسطينية، عام 1984، بعنوان «الباحث الناقد: «يريد الآخرون أن يؤطّروني في خانة ما، والحال أني ممتهن لقياس المساحات!»
تكفي نظرة سريعة على أعمال الخطيبي التي أعيد إصدارها أخيراً عن منشورات La Différence الباريسية، في ثلاثة مجلدات بعنوان «الأعمال الكاملة للخطيبي» للتأكد من أنّه كان بالفعل مثقّفاً مستعصياً على أي تأطير. ظل دوماً مثل مهندس الطوبوغرافيا، مولعاً بقياس (وامتحان) المسافات بين مختلف الأصناف الإبداعية والفكرية، وشغوفاً بمساءلة الأشياء والأحداث والمفاهيم، في محاولة دائمة لفكّ علاماتها ورموزها وإشاراتها.
منذ تخرّج من «السوربون» خريف 1966، بأطروحة دكتوراه سوسيولوجية عن الرواية المغاربية، كان كلّ مؤلف جديد يصدره الخطيبي ـــــ إبداعيّاً كان أم بحثياً ـــــ بمثابة ضربة «بازل» هادئة، لكنّها دؤوبة ومنتظمة وطويلة النفس، على صخرة السائد والمألوف في الساحة الأدبية والسياسية والفكرية. لذا، مَن ينظر اليوم، بأثر رجعي، إلى تلك الأعمال، يدرك حجم النقلة التثويرية التي أحدثتها أعمال الخطيبي، بفضل «القوة الهادئة» التي راهن عليها، بعيداً عن أضواء النجومية وادعاءات فكرية أو فلسفية. حتى إنّه رفض بشدة أن يوصَف بـ«الفيلسوف»، لأنّه مفكّر من مصاف أولئك الذين يحسّون بالنفور من اقتحام باب الشروح والتعليقات والتأويلات التي تتطلبها كل متابعة لتاريخ الفلسفة. وهو نفور نابع من رفض مفهوم «الأستاذية»، كما يقول الباحث المغربي عبد السلام بنعبد العالي في فصل «الخطيبي والتراث الفلسفي» ضمن كتابه المشوّق «التراث والهوية، دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب» (منشورات «توبقال»، الدار البيضاء ـــــ 1987).
وتتضح هذه الروح التثويرية الهادئة التي اتسم بها الخطيبي جلّياً، من خلال ثلاث محطات مفصلية في مساره الإبداعي والفكري: أطروحته الجامعية عن «الرواية المغاربية» (منشورات «ماسبيرو»، باريس ـــــ 1968) التي ترجمها إلى العربية («المركز الجامعي للبحث العلمي»، الرباط ـــــ 1971) الناقد والكاتب محمد برادة (راجع زاوية أشخاص، ص 40)، وديوانه الشعري «المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية» (منشورات «سندباد»، باريس ـــــ 1976) الذي عرّبه الشاعر كاظم جهاد (منشورات «توبقال»، الدار البيضاء ـــــ 1986)، وبحثه الأنثروبولوجي «جرح الاسم العلم» La blessure du nom propre (منشورات «دونويل»، باريس ـــــ 1974) أو «الاسم العربي الجريح» وفقاً لعنوان الترجمة العربية التي حملت توقيع الشاعر المغربي الكبير محمد بنيس («دار العودة»، بيروت ـــــ 1980).
في أطروحته عن الرواية المغاربية، كان الخطيبي أول من قام بمسعى بحثي جاد لتقريب الهوّة بين شقّي الرواية المغاربية: العربي والفرنكوفوني. إذ برهن بأنّ تلك الروايات، بغضّ النظر عن لغة الكتابة، تنطلق من متخيّل ثقافي واحد. أما ديوانه «المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية»، فقد أحدث صدمةً أثّرت في وعي أجيال كاملة من الأدباء والمثقفين. إذ إنّ الخطيبي لم يتردّد في رشق الفكر اليساري الذي كان غالباً آنذاك، بحصى النقد والتجديد، رافضاً مفهوم «المثقف الوظيفي»، قائلاً: «المثقّف، سواء كان مناصراً للعقل المطلق أو للحكمة في خدمة الإنسان، أو كان مناصراً لقضية أو مثل أعلى، فهو مطالب بأن يتكيّف باستمرار مع المبادئ والقيم التي يدافع عنها، وبالتالي فهو مرغم على سلوك موجّه إلى ذاته، لأنّ وظيفته هي تحريك الفكر وتحليل المجتمع لا إدارته».
أمّا بحثه الأنثروبولوجي «الاسم العربي الجريح»، فقد انصبّ في نقد المفهوم اللاهوتي للجسم العربي، ونقد المقاربات الإثنولوجية التي تتعامل مع الثقافة الشعبية تعاملاً خارجياً، وفقاً لما كانت عليه تلك الثقافة في مرحلة تاريخية لم تخرج عن نطاق «تقديس المتعاليات». عبر تلك المقاربة النقدية المزدوجة، استطاع الخطيبي إبراز الحاجة الماسة إلى الفصل بين «الجسم المفهومي» و«الجسم الحقيقي المعاش والملموس»، موضحاً أنّ سبيل الخلاص يكمن في «تجاوز قراءة الجسم قراءة لاهوتية، عن طريق التركيز على الهامشي في الثقافة، والذي يعتبر محرّماً مثل: حديث الأمثال، الشم، وكتاب «الروض العاطر» للشيخ النفزاوي، وقصة الطائر الناطق، رغم أن هذه المجالات غريبة عن الثقافة العربية المكتوبة».
وقد كتب المفكر الفرنسي رولان بارت، الذي كان ـــــ إلى جانب موريس نادوا وجاك دريدا ـــــ من أوائل الذين اكتشفوا الخطيبي وتبنّوا كتاباته ونشروا له في فرنسا، أواخر الستينيات، كتب مقدّمةً خاصة لكتاب «الاسم العربي الجريح» حملت عنوان «ما أدين به للخطيبي». وقد جاء فيها: «إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور، الأدلة، الآثار، الحروف، العلامات. وفي الوقت نفسه، يعلّمني الخطيبي جديداً يخلخل معرفتي، لأنه يغيّر مكان هذه الأشكال، كما أراها، فيأخذني بعيداً عن ذاتي، إلى أرضه هو، حتى إني أحس كأنني في الطرف الأقصى من نفسي»!
أما بخصوص الإنجاز المعرفي الكبير الذي حقّقه «الاسم العربي الجريح» بخصوص إشكالية فهم «الجسد الشرقي» ونقده ـــــ وقد باتت اليوم، بعد أكثر من ثلث قرن على صدور البحث، راهنةً أكثر من أي وقت مضى، في زمن الردّة والمدّ الأصولي ـــــ فقد كتب رولان بارت في مقدّمته: «الخطيبي ينطلق من فرضية مهمة مفادها أنّ التحرر العربي يتطلّب تحرّر الجسم هو الآخر. وهو ما يجعل هذه القراءة تقترن بالإسلام، بوصفه مفهوماً مسبقاً ومتعالياً للذات وللعالم، كما أنّها تعرض لمسائل الهوية والأصالة المزعومتين، وأيضاً للاحتفال بشهوة الجسم ومتعته».



سيرة

في ربيع السنة الماضية، نال عبد الكبير الخطيبي جائزة «لازيو» الإيطالية عن مجمل أعماله الأدبية، وخصوصاً روايته «صيف في استوكهولم» («فلاماريون»، باريس ــــ 1990) التي نالت رواجاً خاصاً في ترجمتها الإيطالية، كون بطلها مخرجاً إيطالياً يدعى ألبرتو يصوّر في السويد شريطاً عن العلاقة التي ربطت بين مؤسس الفلسفة العقلانية الفرنسية ديكارت والملكة كريستين، ملكة السويد. قبل ذلك، كان الخطيبي قد نال «جائزة الأكاديمية الفرنسية» (1994) وجائزة «أهل الأدب» (2008)، ما يدلّ على الحفاوة النقدية التي حظيت بها أعماله الأدبية التي تضم ستّ روايات نشرها على مدى ربع قرن، وغلب عليها المنحى النقدي ــــ التاريخي. كانت أولاها روايته البيوغرافية «الذاكرة الموشومة» («دونويل»، باريس ــــ 1971)، ثم تلاها «كتاب الدّم» (الناشر نفسه ــــ 1979)، ثم «ألف ليلة وثلاث ليال» («فتى مرجانة»، مونبولييه ــــ 1980)، و«حب مزدوج اللغة» (الناشر نفسه ــــ 1983)، ثم «صيف في استوكهولم» وأخيراً «ثلاثية الرباط» («بلاندن»، باريس ــــ 1993).
نشر الخطيبي أيضا أربعة دواوين شعرية، وهي «المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية» («سندباد»، باريس ــــ 1976)، «إهداء إلى السنة المقبلة» («فتى مرجانة» ــــ 1986)، «من فوق الكتف» («أوبييه»، باريس ــــ 1988)، و«ظلال يابانية» («فتى مرجانة» ـــ 1989). كما ألّف نصين مسرحيين، هما «موت الفنانين» («دونويل»، 1964) و«النبي المقنّع» («لارماتان»، باريس ــــ 1979). وفي النقد الأدبي أصدر خمسة أبحاث، وهي «أنطولوجيا أدب شمال أفريقيا الناطق بالفرنسية» («بريزانس أفريكان»، باريس ــ 1965)، «الرواية المغاربية» («ماسبيرو»، باريس ــ 1968)، «الكُتّاب المغاربة من عهد الحماية إلى 1965» («سندباد»، باريس ــــ 1974)، «تجليات الأجنبي في الأدب الفرنسي» («دونويل»، 1987)، «الفرنكوفونية واللغات الأدبية» («الكلام»، الرباط ـــ 1989).
إلى جانب أعماله الأدبية المذكورة آنفاً، أصدر الخطيبي ستّة مؤلفات أكاديمية وبحثية بارزة، توزعت بين الفكر السياسي والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، تم تأليفها بالفرنسية، وتُرجمت إلى العربية ولغات عالمية عدة، كالإنكليزية والألمانية والإسبانية والإيطالية واليابانية: بينها «الاسم العربي الجريح» («دونويل»، 1974)، «القيء الأبيض: الصهيونية والضمير الشقي» («10/ 18»، باريس ــــ 1974)، «فن الخط العربي» («شين»، باريس ــــ 1976)، «مغرب متعدّد» («دونويل»، 1983)، «المفارقة الصهيونية» («الكلام»، 1990)، «الجسد الشرقي» (ألبوم صور ــــ منشورات «حازان»، باريس ــ 2002).