عثمان تزغارت

عزيزي بختي بن عودة،
تذكرتكَ هذا الصباح، وافتقدتكَ، يا صديقي، كما لم أفتقدكَ طيلة السنوات الـ14 الماضية. لا تستعجل، كعادتك، دعني أشرح لك ما حدث. كنت ما أزال نائماً، حيث تلقيتُ رسالة قصيرة على الخليوي. آخ، كدتُ أنسى أن تلك الرصاصات الغادرة التي خطفتكَ، في تلك الظهيرة اللعينة من مايو 1995، غيّبتكَ مبكراً، فلم تعرف ما الـSMS! لولا تلك الرصاصات الغادرة، لكنتَ أنت، بالتأكيد، أول من يتصل بي لينعى إليّ صديقك و«أستاذك» عبد الكبير الخطيبي. هل تذكر ذلك اللقاء الذي جمعنا في سلا؟ كان ذلك في 1989 (أو ربّما 1990؟). وهل تذكر أنكَ، حين تعارفنا، لأول مرة في وهران، أواخر 1987، أصررتَ على أن تهديني نسخةً من مجموعته «المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية»؟ وحين ترددتُ، لأنها كانت تحمل توقيعاً خاصاً لك من المؤلف، قلتَ ضاحكاً: «معليش، سأضيف إليه توقيعاً آخر لك، بالنيابة عن المؤلف!»... ذلك أنك كنت تحسّ دوماً بأن أعمال الخطيبي وبارت ودريدا وجوليا كريستيفيا هي جزء حميم من ذاتك...
هل أخبرتكَ أن كتاباتكَ عن الخطيبي أُصدرت، بعد رحيلك، في كتاب «الخطيبي ناقداً»؟ وأن أشعارك جُمعت في ديوان «رنين الحداثة»؟ لا تبتسم ساخراً، كعادتك! اطرح جانباً الطابع التراجي ـــــ كوميدي في ثقافة بلد لم يسمح لقامة فكرية من مصافك بأن تُصدر، وهي على قيد الحياة، أي عمل فكري. دعني أزف إليك خبراً سيفرحك: بلغني أن الخطيبي كان سعيداً جداً، وبكى متأثراً عندما تلقى نسخة من كتابكَ عنه.
وبعدُ، يا صديقي، هل يجب أن اعتذر منكَ، لأنّني تأخرتُ كل هذه السنين في الكتابة عنك أو إليك. ليس تقصيراً، يا عزيزي. فقط لأن الكتابة عنكَ بصيغة الماضي استعصت عليّ. ثم إنني كنت دوماً على قناعة بأنني سأؤلمكم، لو ضممتُ صوتي إلى جوقة المؤبّنين المحترفين!
لماذا أكتبُ إليك اليوم؟ هل تذكر تلك الجلسة الصاخبة الأخيرة التي جمعتنا في أحد بارات «مونمارتر»، في تلك الأمسية الماطرة من ديسمبر 1993؟ لا تتظاهر بالنسيان، كعادتك! أنا متيقن بأنك تذكر جيّداً حديثك المستفيض، وقد قطعنا أشواطا في الشرب، عن «الروحانية العلمانية» في أعمال الخطيبي؟ لقد أبصرتُ الابتسامة الساخرة على طرف شفتيك، فلا تحاول أن تداريها، كعادتك، بالتظاهر بمداعبة شاربك! تلك «الروحانية العلمانية» هي التي دفعت بي اليوم، أنا الملحد، إلى الكتابة إليكَ، متيقّنا أن روحك تستمع إليّ من «فضاء ما»..
سلاماً، يا صديقي. مع المحبة الدائمة
عثمان...