الرباط ــ ياسين عدنان

كثيرون لم يعرفوا أمس لِمن يوجّهوا تعازيهم بعدما شاع نبأ رحيل عبد الكبير الخطيبي. هذا «الغريب المحترف» لم يكن ينتمي إلى عائلة فكرية أو أدبية. عاش مثل ماءٍ نزق يسيل بين الصخور، ظل يتنقّل بين «نقط العبور الفاصلة بين اللغات والبلدان والحضارات». علماء الاجتماع المغاربة يؤكدون أنّ الرجل قطب من أقطابهم، ودليلهم أبحاثه المتعددة وإشرافه على إدارة معهد السوسيولوجيا التابع لجامعة محمد الخامس في الرباط منذ 1966 حتى إغلاق المعهد بقرار سياسي عام1970. لكنّ الخطيبي عرف دائماً كيف يفتح شرفات السوسيولوجيا على رياح الأدب. ظل يدعو إلى مراجعة شمولية للسوسيولوجيا حتى يصير بالإمكان تحويل القضايا الميتافيزيقية التي تقضّ مضاجعنا إلى حقل المعالجة السوسيولوجية.
سوسيولوجيا الخطيبي ظلت مفتوحةً على الأدب والتأمل الفلسفي وعلم الجمال. كان يمارس الفلسفة ويتحرّج كثيراً من لقب الفيلسوف. لهذا، ربما، راهن بقوة على الأدب. كتب الرواية من دون أن يعتبر نفسه روائياً: «الذاكرة الموشومة»، «صيف في استوكهولم»...
طبعاً كانت «الذاكرة الموشومة» سيرة ذاتية لابن مدينة الجديدة الذي كان ينظم الشعر بالعربية في سنّ الـ12، ويرسل قصائده باسم مستعار إلى الإذاعة الوطنية. أما أعماله الأخرى فجاءت على هيئة سرديات من صميم الحياة، أكثر مما كانت روايات بالمعنى التخييلي للكلمة. لكنّ الخطيبي لم يكن يهتم لتصنيف النقاد. أما الشعر فشأن شخصي. «مناضلنا الطبقي على الطريقة الطاوية» كان يكتب حكماً وتأملات ومونولوغات وجد الفرنسيون صعوبةً في اعتبارها شعراً، فيما بدت للقراء العرب بعيدةً عن روح الشعر العربي. أما هو فكان يهمس من داخل قصيدته بنبرة الحُكماء: «جئت لأعلمكم الاختلاف الذي لا رجوع منه»، «أنا أعلِّمُ المعرفة اليتيمة»، قبل أن يضيف: «ولكنّ حكمتي تقول: الثورة العظيمة ليس لها أبطال».
هل كان شاعراً؟ سيكون صعباً عليه قبول هذه التهمة، هو الذي حرص على تصنيف قصائده كالتالي «هذا ليس شعراً». والحقيقة أنّ ديوان الخطيبي كان تفكيراً في المحبة وتأملاً في قيم العيش المشترك بين الأجناس والأفكار والديانات والثقافات المختلفة.
كانت الكتابة له تدخّلاً وجودياً عنيفاً في شؤون الحاضر، واستفزازاً عنيداً للفلسفة والفن والعلم والدين. لهذا، لم يؤمن بحدود فاصلة بين الحقول المعرفية والأجناس الأدبية. والذي يقرأ أبحاثه العلمية بنظرة أكاديمية تقليدية، لن يفهم الخطيبي. أما مَن يقرأ نصوصه الإبداعية بنظرة تذوّقية جمالية، فلن تكشف له قصيدة الخطيبي عن أسرارها. بل حتى النقد حينما مارسه، قسى عليه. فقد طالب النقد بأن يبدأ بذاته. لا يكفي أن يتوجه النقد إلى الواقع أو إلى هذا الموضوع أو ذاك، بل عليه أن يبدأ بنفسه وبتأزيم ذاته. ومن هنا، صاغ نظريته الشهيرة عن «النقد المزدوج».
مع ذلك، ظل دائماً على الهامش. يكتب على هامش الفلسفة والعلم معاً. ومعالجته لأسئلة الهوية والغيرية والحب والحداثة والنقد والتراث اتخذت أساليب غير مألوفة. لكنَّ اهتمامه بالحرف والخط والوشم وشغفه بالرموز والصور سيكرِّسُه مرجعاً في هذا المجال. ورولان بارت نفسه لم يُخفِ تأثّره بالخطيبي. أمّا جاك دريدا فيؤكد في شهادة له: «مثلي مثل الكثيرين، أعتبر الخطيبي أحد الكتاب والشعراء والمفكرين المعاصرين العمالقة في اللغة الفرنسية، وأتأسف لكونه لا يُدرَّس بالشكل الذي يستحقه في البلدان الناطقة باللغة الإنكليزية».
مرة في سهرة أقيمت على هامش «مهرجان مراكش الدولي للفيلم»، كنا نتجاذب مع الخطيبي أطراف الحديث عن المثقف المغربي والسياسة، حينما تسلل الرجل خارج حلقتنا فجأة من دون سابق إشعار. بعد قليل لمحناه وسط غابة الأجساد الشابة يرقص مثل طفل. في اليوم التالي، انتقدت صحف مغربية رقصة الفيلسوف. أما أنا فعدت إلى نصوصه كي أفهم. يقول الخطيبي: «الجسم الراقص يكتب الكلام ويحطمه. يجعل الفضاء هندسة دقيقة ومتعددة الأصوات. إنه زوبعة القوانين، انعكاس الضوء ومحو الأثر الذي بواسطته ينطق الأصل: أي الجسد». هذا هو الخطيبي لا حياة له خارج كتابته. ولعل رحيله أمس يذكّرنا به وبحاجتنا إلى قراءته. الخطيبي مفكر عربي كبير لم نقرأهُ بعد.