من يؤوي بعد اليوم «قطط شارع الحمراء»؟


زينب زعيتر
المشهد السينمائي اللبناني يتغيّر يوماً بعد آخر، ومعه ملامح المدينة، وتقاليد المشاهدة، والحياة الاجتماعيّة والثقافيّة. هل يمكن أن نتخيّل مدينة كبيروت، من دون صالات سينما؟ طبعاً هناك المراكز الكبرى المتعددة الصالات، التي تزحف إليها الحشود طلباً لفسحة من اللهو والترفيه. لكن ماذا عن «صالات الأحياء» القديمة، تلك التي اقترنت بمتعة السينما لدى أجيال متعاقبة؟ صالات البرج بُنيَ معظمها مكان الخانات القديمة: خان النقاش صار «متروبول»، بينما أصل الـ«روكسي» هو خان الشرتوني. تلك الصالات ذهبت مع الريح، بعد الحرب ابتلعتها طموحات الإعمار، والمزايدات الاستثماريّة التي باعت قلب المدينة إلى الرساميل الأجنبيّةماذا عن «سينمات» شارع الحمرا؟ في العصر الذهبي لبيروت، أي في السبعينيات، صار شارع الحمرا هو رمز الحياة الحديث. فيه تركّزت مقاهي الرصيف و... صالات السينما. كثيرون يذكرون الـ«كوليزيه»، والـ«سارولا» وسواهما من الصالات التي أقفلت أبوابها الواحدة تلو الأخرى. لم يبقَ منها سوى صالتين تعملان: «أريسكو بالاس» و«مونتريال»، والأخيرة جاء الوقت كي تسدل عليها ستارة العرض الأخير... الصالة ما قبل الأخيرة في شارع الحمرا التي ستُقفل هذا الشهر، لتجرف التحوّلات الاقتصاديّة الهجينة آخر معالم الفن السابع في الشارع، بعدما شهدت على تاريخ بيروت لأكثر من ثلاثين سنة.
افتُتحت «مونتريال» عام 1978 مع فيلم «لا عزاء للسيدات» للمخرج هنري بركات من بطولة فاتن حمامة. وتوالت العروض من يومها مع «لا تبكِ يا حبيب العمر» الذي حطّم إيرادات السينما اللبنانية. وفي 21 الحالي، سيكون الموعد الأخير مع الجمعية الكردية اللبنانية التي ستقدّم حفلة غنائية مسرحية على خشبة «مونتريال» لتُقفل أبوابها نهائياً في 10 نيسان (أبريل) المقبل.
«الشركة اللبنانية للمسرح ودور العرض» التي تشغّل سينما «مونتريال» (أصحابها أبناء شفيق فتح الله)، هي مؤسسة لإنتاج الأفلام وتوزيعها، تُعنى خصوصاً بإحضار الأفلام من مصر. والأرجح أنّ تتحوّل صالة السينما إلى نادٍ ليلي أشبه بالكازينو، لكنّ الأمر يتعلّق اليوم بأصحاب العقار (من عائلة آل طاهر ووزني) لا «الشركة اللبنانية للمسرح ودور العرض».
يؤكد محمود فتح الله أحد المساهمين في الشركة أنّ السبب الرئيس لإقفال السينما، يتمثّل في صعوبة استحضار الأفلام السينمائية اليوم، في ظل المنافسة الشديدة مع شركات كبرى تتحكّم في السوق السينمائية. بحسب فتح الله، فإنّ أهم مصدّرَين لتوزيع الأفلام في لبنان هما الأردني يوسف الطاهر، وهو من كبار مموّلي صالات العرض في لبنان، تحديداً الفيلم العربي، أمّا المصدّر الثاني، فهو سليم رميا صاحب صالات العرض السينمائي في «سنتر ABC» (الأشرفية).
يلقي فتح الله اللوم على وزارة الثقافة في إغلاق «مونتريال»: «إذا كانت الوزارة مهتمة بالإبقاء على هذه الصالة السينمائية، فلتدعمها الدولة».
تبقى سينما «أريسكو بالاس»، في منطقة الصنائع التابعة أيضاً لـ«الشركة اللبنانية للمسرح ودور العرض». هل تكون بديلاً عن «مونتريال» المجاورة؟ يؤكد فتح الله أنّها تتبع تقنيات صوت وصورة أحدث من «مونتريال» وتقدّم في آن البرمجة السينمائية نفسها...
إلا أنّ أحد الإداريين في «مونتريال» يقول: «لو أنّ الملك ما زال على قيد الحياة لما كانت الصالة قد انهارت». المقصود هنا هو محمد علي الصبّاح الملقّب بـ«الملك» الذي كان من كبار موزعي ومنتجي الأفلام اللبنانية والمصرية، وشريكاً لآل فتح الله، ثم باع حصته قبل وفاته لأصحاب الشركة الحالية.
أمّا في ما يتعلق بمستقبل الموظفين، فإنّ «الشركة اللبنانية للمسرح ودور العرض» ستحّول موظفي «مونتريال» للعمل في «أريسكو بالاس».
صمدت «سينما مونتريال» في الأزمات الصعبة التي مرّ بها لبنان، وعاشت فصول الحرب الأهلية، وعرضت «الكاراتيه» و«الأكشن» والأفلام الهنديّة والمصريّة... وفي بداية التسعينيات كان موعد الجمهور على مسرحها مع شيوخ الطرب وشيخاته الذين يؤدّون الموشّحات والقدود الحلبية. إضافةً إلى مسرحيات كوميدية بارزة لنجوم الفن المصري: عادل إمام ويونس شلبي ومحمد نجم...
مرحلة تنتهي، وتأخذ معها جزءاً من ذاكرة مدينة، وذاكرة حيّ كثيراً ما حلم بأنّه مركز بيروت التي هي مركز العالم! رغم الكلام الكثير الذي نسمعه عن انتعاش الشارع، بوجود مسرحَي «المدينة» و«بابل»، وتزايد عدد الفضاءات الشبابيّة مثل «ة مربوطة»، والبارات والمطاعم الرائجة، فإن الحمرا تفقد هذه الأيّام شيئاً من روحها... فكيف عساه يكون المستقبل؟ هل نعيش في مدينة مهجّنة معولمة، البقاء فيها للأقوى حسب القاعدة الشهيرة... لأن حماية الثقافة والتراث والفضاء المديني ليست من اهتمامات الحكومات اللبنانيّة المتعاقبة؟