سفياتوسلاف ريختر، أو سلافا، كما كانت تناديه نينا دورلياك، شريكته في الحياة والموسيقى منذ أن التقيا لغاية مرضه ووفاته (رحل عام 1997 ورحلت نينا بعده بسنة)، هو اسم من ذهب في العزف الكلاسيكي على البيانو. سوفياتياً هو الأول. روسياً، يتشارك العرش مع العملاق هوروفيتز. عالمياً هو من العشرة أو حتى الخمسة الأوائل في التاريخ. بين قدراته التقنية والذهنية والفنية، استطاع ريختر أن يغطي ريبرتواراً هائلاً لأعمال من جميع الأشكال التي تتضمن بيانو (بيانو منفرد، سوناتات مع آلات أخرى، موسيقى حُجرة، أغانٍ مع بيانو، كونشرتوهات،…). هكذا أنجز تسجيلات مرجعية لمعظم المؤلفين الكبار، من باخ إلى القرن العشرين.


لكن موزار بتوقيع ريختر يدعو إلى الحذر. لقد أدى عشرات الأعمال للمؤلف النمسوي، وفي فترات مختلفة من حياته. بعض هذه التسجيلات أهمِل مع الزمن، والبعض الآخر متوافر، لكن القليل منها فقط يتمتّع بقيمة فنية كبيرة. أما الباقي فغير موفَّق على الإطلاق. أحياناً يبرع في جزءٍ من العمل، لكنه يخفق في جزءٍ آخر، فيهبط المعدل العام. أنجح أداء لعمل من ريبرتوار موزار مع ريختر هو لكونشرتو البيانو رقم 20 الذي سجّله أكثر من مرّة، وقد يكون السبب وراء هذا النجاح كَوْن العمل المذكور أقرب إلى بيتهوفن، المؤلف الذي يُعتَبَر العازف السوفياتي مرجعاً فيه. ريختر لا يحب الكلام ولا المقابلات. قبيل رحيله، وافق بأعجوبة على فتْح قلبه للباحث الكبير برونو مونسانجون الذي أنجز الوثائقي الشامل والوحيد عن الأسطورة السوفياتي. في هذا الشريط، نراه جالساً وأمامه دفتر ذكريات الحياة الغنيّة التي عاشها. الوثائقي من جزءين، ويترك ريختر الكلام عن موزار إلى آخر الجزء الثاني. فـ«مسألة موزار» شائكة وتحتاج إلى معالجة خاصة. يقول ريختر: «لا أستطيع حفظ موسيقى موزار. هل ثمة خلل في دماغي؟ ذاكرتي لا تحفظها. لا يبقى منها شيء في رأسي. ما هي المشكلة مع موزار؟ فالأمر الذي يبدو سهلاً عند هايدن وبيتهوفن يصبح، هو ذاته، صعباً عند موزار! من يؤدّي موزار فعلاً بشكل جيِّد؟ ما هو سرّ موزار؟». يسأل الرجل، يصفن قليلاً والرهبة والاستسلام على محيّاه الثمانيني، ثم يختم: «لا جواب… إنها أصعب موسيقى ولم أجد مفتاحها أبداً»!
من جهة ثانية، ينتقد ريختر عازفي البيانو الذين يتمرّنون 10 ساعات في اليوم، واصفاً الأمر بالحماقة. وينصح بثلاث ساعات يعتبرها أكثر من كافية. عن هذه المعلومات التي انتُزِعَت منه في الوثائقي المذكور أعلاه، قالت رفيقة دربه نينا دورلياك: «إنه يكذب… أؤكد أنه يتمرّن 10 ساعات في اليوم وأحياناً 12»! في الواقع، قد يكون قصْد ريختر أن ثلاثاً من «ساعاته» هي كافية. بين ذاكرته الرهيبة وتقنياته الجهنمية، يجب أن نقسم الوقت معه على أربعة!
أخيراً، من هي الشخصية التي غابت عن التسجيل الذي جمَعَ بيتهوفن (مؤلف) وريختر (بيانو) وأويستراخ (كمان) وروستروبوفيتش (تشيلّو) وكارايان (قائد أوركسترا) و”برلين الفلهارمونية“ (أوركسترا)؟… الجواب: الله! الجميل في هذه الحزورة/ النكتة أنها توفّر التعريف بالأسماء الواردة فيها لمن لا يألفها. ما يهمّنا في الأمر الصدام الذي حصل قبيل التسجيل بين ريختر الروسي من أصول ألمانية، وكارايان الجرماني المتعصّب. أثناء التمارين، اختلف الرجلان على تفصيل موسيقي أراد ريختر حلّه وإقناع كارايان بوجهة نظره. رفض الأخير النقاش باعتباره يملك السلطة المطلقة كقائد أوركسترا. العمل كان الكونشرتو الثلاثي لبيتهوفن، والأسطوانة التي تحمل هذا التسجيل تعتبر من أهم الأحداث البارزة في تاريخ الديسكوغرافيا الكلاسيكية: لقاء الأساطير الحية. آخر محاولة قام بها ريختر لحلّ الإشكال مع كارايان كانت الضرب على وتر حساس عند الأخير، وتر القومية، فقال له: «في النهاية، أنا ألماني». أجاب كارايان الذي انتسب يوماً إلى الحزب النازي: «إذاً، أنا صيني»!