قانون «مكافحة الجريمة الإلكترونية» الذي صادق عليه أخيراً مجلس الوزراء ليس بريئاً، بل انه قد يمثّل تهديداً صريحاً للحرّيات في بلد تنحسر فيه فضاءات التعبير يوماً بعد آخر


الجزائر ـــ عدلان مدي
صادق مجلس الوزراء الجزائري أخيراً على مشروع قانون «مكافحة الجريمة الإلكترونية» الذي ينصّ على جملة إجراءات تحدد آليات الرقابة على الإنترنت ومحاربة «الجنح» المرتبطة بالشبكة الافتراضية. وعند إعلان هذه «الترسانة» القانونية، انطلقت أصوات معارضة لتشكّك في نية السلطة، معتبرة أنّ المبادرة الرسمية، التي كالعادة لم يسبقها أي نقاش مفتوح، تهديد صريح للحريات في بلد تنحسر فيه فضاءات التعبير يوماً بعد آخر.
وتشمل الإجراءات المزمع تطبيقها على الفاعلين في قطاع الإنترنت، فرض دفتر شروط ورخص جديدة لمموّني خدمات الإنترنت، وإلزام هذه الشركات بالحفاظ على المراسلات الإلكترونية لمدة سنة، كما ستجبر مقاهي الإنترنت على التجهّز بكاميرات مراقبة، وستُفعّل حملات تفتيش تقوم بها مصالح الأمن.
وقد جاء أول تعليق منتقد لهذه الإجراءات من مسؤول شركة «إيباد» الحكومية لخدمات الإنترنت، فصرّح لجريدة «الخبر» أن مشروع القانون لم يستهدف مشكلة تخريب المواقع والحواسيب والمراسلات والبيانات واختراقها، كما أنّ النص لم يحدّد الإجراءات التي تحمي الملكية الفكرية أو تحارب المواقع المروّجة للإرهاب أو الإجرام.
لماذا إذاً أنشئت مثل هذه الترسانة الردعية؟ هل ينوي النظام الجزائري اتّباع النموذج التونسي أو الصيني لقمع حرية التعبير على الإنترنت؟ وغيرها من الأسئلة رددها عدد من المعلقين والصحافيين والمدوّنين. «بالنظر إلى طبيعة النظام الجزائري المضادة للحريات، فإن ما يثار عن مكافحة الجريمة الإلكترونية لا يعد إلا غطاءً لمراقبة الإنترنت والمنتديات والمدوّنات والنشرات الإلكترونية... أي كل ما يفلت من قبضة السلطة المركزية»، كتب المعلّق الصحافي شوقي عماري في جريدة «الوطن». وتساءل إن كانت قد جرت قرصنة مواقع رسمية؟ أو هوجمت المصارف على الإنترنت؟ أو حوّلت الأموال عبر الشبكة الافتراضية. «لا. فالقراصنة الجزائريون لا يهتمون إلا بتحميل الأفلام وتفكيك شفرات القنوات التلفزيونية».
من جهته، ينتقد أحد القراصنة الجزائريين القانون «إذ لا شبكة إنترنت في الجزائر حسب المقاييس العالمية، ولا نظام بنكياً افتراضياً، لذا ليس هناك ما نهاجمه صراحةً، فلماذا تسعى السلطة إلى حماية ما ليس له وجود؟». القرصان، وهو طالب في جامعة في العاصمة، يوافق على أهمية ملاحقة المواقع الجهادية «لكن الجميع يعرف أنّ مصالح الأمن الخاصة مجهزة منذ مدة بتقنيات تحجب هذه المواقع وتتعقّب من يزوّرها». وكانت جريدة «الوطن» قد كشفت في تحقيق لها في نيسان (أبريل) 2007 أنّ قوى الأمن قد فكّكت ثلاث شبكات لشباب يعملون على الانخراط في تنظيم «القاعدة» في العراق، وذلك من خلال تقصي مراسلاتهم الإلكترونية مع مسؤولي التنظيم الجهادي.
أما على موقع «فايسبوك» فعبّر عدد من الجزائريين عن مخاوفهم من الإجراءات الجديدة التي سيصوّت عليها البرلمان. «يجب ألا ننسى انبهار السلطة الجزائرية وإعجابها بالنموذج القمعي التونسي» علّق الصحافي والمدون فيصل مطاوي في إحدى مجموعات «فايسبوك». واستشهد بما صرّح به الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي رأى أن «تونس مثال سامٍ في الديموقراطية».
ويذكّر أعضاء المجموعة «بآخر آيات الديموقراطية في بلاد زين العابدين بن علي التي تتمثّل بحظر الـ«فايسبوك» لمدة شهرين، إضافة إلى أن عشرات المواقع الإخبارية المعارضة تبقى ممنوعة في تونس». ولا تقف المجموعات الداعمة لحرية الرأي على الإنترنت عند هذا الحد. إذ تنتقد مجموعة «لإنقاذ حريتنا على الإنترنت» القمع الجزائري الذي يمنع المواطنين من التظاهر تضامناً مع الفلسطينيين لمدة 16 سنة «فها هي الآن تريد ضبط حريتنا في المشاركة في منتديات الإنترنت والمدوّنات بل يريد منعنا من التواصل في ما بيننا». وتعدّ هذه المجموعة الأكثر نشاطاً في ما يسمّى بالجزائر الافتراضية... والغاضبة.