الرواية العربية نجمة الموسم والشباب يعودون إلى الضاد


زينب مرعي
دائماً تكون التوقّّعات لأي نشاط ثقافي في لبنان مرتبطةً بالأوضاع الأمنية والسياسية، أو بـ «ترتيبات البيت اللبناني» كما يحبّ أن يسمّيها خالد المعالي صاحب «دار الجمل». ورغم أنّ «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب 52» الذي يختتم اليوم، حظي هذه السنة بنعمة الأمن، فإنّه لم يحمل مفاجآت كبرى من حيث عدد الزوّار. وإن كنت تلاحظ حركةً نشطةً في أروقته، فإنّ معظم دور النشر تُجمع على أنّ الرقم لم يتخطَّ 350 ألف زائر، وهي أعطت المعرض السنة درجة «مقبول» في أيّامه الأخيرة، آخذة في الاعتبار عوامل عدّة قبل إصدار الحكم النهائي.
هذا المعرض كأي معرض آخر يمثّل فرصةً للتعارف والحوار بين أطراف الثالوث: ناشر ـــ قارئ ــــ كاتب. ولأجل هذه الغاية وغايات تجاريّة طبعاً، شهدت دورة هذه السنة زيادةً ملحوظة في عدد حفلات التوقيع. يقول منيف ملحم من «دار الحصاد» السوريّة إنّه لم يرَ في أيّ معرض آخر هذا الكمّ من حفلات التوقيع، وهي فقط «للبرستيج». مع ذلك، نجحت تلك المواعيد في خلق تجمّعات، فكانت هي الحدث الأساس في المعرض بدلاً من الندوات التي لم تستحوذ على اهتمام كثيرين، باستثناء الأمسيات الشعريّة، ربّما لأنّها حملت عناوين «مثيرة» مثل الرحابنة أو درويش، «شعراء من لبنان» أو «إكزوتيكيّة» اليابان. يرى خالد المعالي أنّ النشاط الأساسي في المعرض كان «حفلات التوقيع، وهي تشبه الأعراس أو الختان أو المآتم». فيما يرى فنسان الغريب الذي وقّع كتابه «مأزق الإمبراطوريّة الأميركيّة» في المعرض (مركز دراسات الوحدة العربيّة) أنّ حفلات التوقيع حضاريّة وراقية ومناسبة تجعل الكاتب الذي عمل طويلاً على تأليف كتابه يشعر بتقدير القراّء لعملهخارج زحمة التوقيعات، يقول ربيع مرعي من «دار النهضة» إنّ «البيع كان مقبولاً، لم يختلف كثيراً عن السنة الماضية، لكن يبقى الهدف من هذا المعرض ثقافياً أكثر منه تجارياً». ويضيف إنّ الأسباب التي منعت المعرض من التطوّر هي تنظيميّة بالدرجة الأولى. فيتحدث عن صعوبات كثيرة واجهها الناشرون مع المنظّمين في «النادي الثقافي العربي»، منها عدم تأمين التجهيزات اللّازمة لهم في قاعة المحاضرات، وإجبارهم على تغيير القاعة قبل دقائق من بدء ندوة نظّموها إلى قاعة أخرى غير معدّة للاستقبال. حسن فوعاني من «المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر» ينتقد المنظّمين أيضاً، معتبراً أنّ معرض هذه السنة كان أسوأ من السنوات الثلاث الماضية من حيث المبيعات، بسبب الحالة الاقتصاديّة السيئة في البلد وتوقيت المعرض المتزامن مع عيد الأضحى. وهو يذهب إلى اقتراح تغيير موعده إلى الصيف، فيكون هناك «دورٌ للمصطافين العرب والمغتربين اللبنانيين الذين ينعشون مكتبات وسط البلد خلال زياراتهم».
أمّا ناصر فليطي من «دار الريّس»، فيرى أنّ البيع كان جيداً، وأن الدار حافظت على معدّلها السنوي في نسبة المبيعات. كما يرفض تغيير موعد المعرض لأنّ موعده أصبح «بمثابة تقليد». بينما يرى عماد الوزّان من «مركز دراسات الوحدة العربيّة» كما العديد من دور النشر، أنّ الدعاية للمعرض لم تكن كافية. رغم ذلك يضيف إنّ «البيع كان جيداً، لكن من دون تسجيل زيادة بالنسبة إلى السنة الماضية». ويرى الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي صاحب «دار الجمل» التي اتخذت من بيروت مركزاً لها، أنّ «المعرض مرّ من دون مفاجآت، والإقبال بقي فاتراً على غرار السنوات الماضية. أمّا البيع الفردي، فكان منخفضاً، لكن البيع بالجملة للمكتبات والزبائن العرب كان مقبولاً. فالحضور العربي في المعرض قليل لكن ملموس».
وحدها رنا إدريس من «دار الآداب» بدت راضية عن الحصيلة، بل إيجابيّة جداً في تقويم الموسم الحالي الذي ينتهي اليوم: «إنّ المعرض هذه السنة أقوى بثلاث مرّات من دوراته الماضية. حركة المبيع جيدة جداً، مع التركيز على أنّ أكثر زبائننا كانوا من الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 24 و35 سنة، وكنّا نفتقد هذه الفئة من الزبائن قبلاً. وانصبّ اهتمامهم على كتب الشباب مثل سحر مندور وحسّان الزين، كذلك على كلاسيكيّات الأدب مثل كتب جبرا إبراهيم جبرا، سهيل إدريس، الياس خوري، علويّة صبح وغيرهم». وتفسّر إدريس هذه «الظاهرة» بالوعي المستجدّ لدى هذه الفئة لأهميّة اللغة العربية. كما لقيت كتب الأطفال رواجاً ملحوظاً لدى دور النشر. ويقول ربيع مرعي إنّ نسبة المبيعات في سلسلة «أصالة» المخصّصة للأطفال كانت أفضل من الكتب الأخرى، مشيراً إلى أنّ «أسعار كتب هذه السلسلة مشجّعة، إذ يمكن الأهل أن يجدوا كتباً لأطفالهم ابتداءً من ألف ليرة».
ما زالت الرواية تحتلّ الصدارة في لائحة المبيعات. وهذا ما يؤكّده حسن فوعاني الذي قال إنّ الرواية بقيت أكثر أنواع الكتب مبيعاً، وخصوصاً روايات علي بدر وإبراهيم الكوني. توافقه رنا إدريس مضيفةً إن «هناك عودة ملحوظة إلى الرواية العربية لا اللبنانيّة فقط». وقد احتلّت رواية حسن داوود «مئة وثمانون غروباً» (دار الساقي) المرتبة الأولى على لائحة إحصائية الكتب الأكثر مبيعاً في المعرض الصادرة بتاريخ 4 الحالي، تليها رواية سحر مندور الثانية «حب بيروتي» (دار الآداب). في المقابل، يعبّر ناصر فليطي عن خرق لهذه التراتبيّة لدى «دار الريّس». إذ يقول إنّهم باعوا من كتب الشعر والسياسة في المعرض أكثر من الرواية. في الشعر إضافةً إلى كتب محمود درويش طبعاً، كتاب «مقام الجنس» لنصري الصايغ لقي رواجاً، وهو الأول على لائحة الإحصائية بين كتب الشعر، وفي السياسة، كتاب «من حسن نصر الله إلى ميشال عون» لفايز قزي الذي حلّ أول على اللائحة أيضاً. وقد نال جائزة أفضل إخراج «المنجد الكبير الفرنسي ــــ العربي» إعداد جان ماجد جبّور، إصدار المكتبة الشرقيّة. وفاز كتاب «ألف باء الحيوانات» لنبيهة محيدلة، رسوم لجينة الأصيل، إصدار دار الحدائق بالجائزة نفسها عن فئة كتب الأطفال.
حال المعرض «الوسط» تجعلنا نتساءل عمّا إذا كان لا يزال يحتفظ بالموقع الأهم بين معارض الدول العربيّة. بالنسبة إلى ربيع مرعي، اسم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» فضفاض على هذا المعرض، كذلك يرى خالد المعالي أنّ قيمة هذا المعرض، كباقي المعارض العربيّة، تجاريّة لا ثقافيّة. من جهة أخرى، يرى الكاتب فنسان الغريب «أنّ أهميّة هذا المعرض تكمن في كونه يجمع تحت سقفه مختلف الاتجاهات الفكريّة، والدور المشاركة متعدّدة الانتماءات». ويبدو أن التعدديّة باتت تمثّل نقطة التميّز الوحيدة الباقية لهذا المعرض.

الناشرون العرب: بيروت... أحبّك/ لا أحبّكمنيف ملحم من «دار الحصاد» يرى أنّ عودة الدار إلى معرض بيروت لم تكن موفّقة، ولا يعتقد بأنّها ستعيد الكرّة السنة المقبلة. وهذا ليس بسبب تعليقات عنصريّة سمعها هو وزملاؤه من بعض الزوّار، بل بسبب نسبة المبيعات المنخفضة. ويضيف: «لم أرَ معرضاً بهذا الإقبال الضعيف، ولا شكّ في أنّ المعارض الأفضل اليوم هي معارض دمشق، القاهرة، الرياض والدار البيضاء».
أمّا محمد الشرقاوي صاحب «دار ملامح» المتحمّس جداً لبيروت، فيبدو أكثر تفاؤلاً. ويقول الشرقاوي «أتينا إلى بيروت لأنّها عاصمة صناعة الكتاب في العالم العربي، ونحن هنا لنعرض نوعاً جديداً من الإنتاجات في صناعة الكتب المصريّة». ولا يرى الشرقاوي نفسه قادراً على الإدلاء برأيه في معرض هذه السنة، لأنّ كتبه وصلت متأخرة قليلاً عن بداية المعرض، إلّا أنّه يقول إنّه سيعود حتماً للمشاركة السنة المقبلة وبجناح أكبر، كما أنّ الدار تدرس إمكان إنشاء فرع لها في بيروت، وطبع كتبها فيها. ولا يرى الشرقاوي أنّ وضع الكتاب سيّئ بل هو بحاجة إلى تسويق جيّد، وإلى من يوصله للناس. ويعطي مثالاً على ذلك مقالة «الأخبار» عن «ملامح» التي ساعدت داره كثيراً، فما إن صدرت المقالة حتى بدأ الزوّار يسألون عن دارنا، كما أنّ واحدة من أكبر دور النشر اللبنانيّة طلبت قائمة بمنشوراتهم.