نعت بلير بالأبله وبوش بالمجرم وغلبه المرض في ليلة الميلاد



بدأ ممثلاً، ثم صار أكبر كتّاب عصره. خاض مجالات الشعر والسيناريو والإخراج، وعُرف بمواقفه السياسية النقديّة من الاستعمار الجديد. إنّه صاحب نوبل للآداب» (2005) الذي يُعتبَر محطة أساسيّة في تاريخ المسرح وذاكرة القرن العشرين

بيار أبي صعب
الليدي أنطونيا فريزر هي التي أعلنت النبأ للصحافة. رحل زوجها الكاتب البريطاني هارولد بينتر (1930 ــــ 2008) ليلة الميلاد، تاركاً آثار صفعاته على ضمائر معاصريه، وبصماته الواضحة في سجلّ المسرح العالمي الذي يعتبر من أكبر رموزه في النصف الثاني من القرن العشرين، كما أكّد بيان لجنة «نوبل للآداب» حين فاز بها عام 2005. بينتر الذي يعرفه العرب جيّداً، وقد استوحوا نصوصه واقتبسوها وقدموها على خشبات كثيرة منذ عقود، يختصر عصراً كاملاً في تاريخ الثقافة الإنكليزيّة والأدب العالمي. ابن الخيّاط اليهودي الذي استقر والداه المهاجران الروسيّان في هاكني، شرقي لندن، أبصر النور في هذا الحيّ الشعبي والصناعي الفقير، حيث ترعرعت الحركات العنصريّة والفاشيّة أيضاً. إلى الفقر والعنصريّة، ستأتي ويلات الحرب وقنابل طائرات هتلر، لتحدد تجربته الأولى، وتطبع وعيه، وتشكل المنجم الذي سيغرف منه عالمه وخطابه. «ذلك الشعور بأنني تحت القصف لازمني على الدوام»، يقول بينتر. كره الحرب سيكون من ثوابت شخصيّته هو الذي رفض الخدمة العسكريّة في الثامنة عشرة، وتوجّه في وقت مبكر إلى دراسة المسرح في «الأكاديمية الملكية لفنون الدراما».
بدأ بينتر حياته ممثلاً باسم دايفيد بارون، قبل أن يخوض تجربته الأولى في الكتابة من خلال رواية لم تكتمل بعنوان «الأقزام»، كتبها بين 1953 و1956... واستوحى منها لاحقاً مسرحيّة بالعنوان نفسه (1960). سيكتب الشعر كثيراً في بداياته، ويعود إليه في سنواته الأخيرة مع مجموعة بعنوان «حرب» من وحي حرب العراق (جائزة «أودين»، 2003)... لكن المسرح هو في النهاية المجال الذي سيتألق فيه، كاتباً وممثلاً ومخرجاً لنصوصه ونصوص آخرين. لقد حمل إليه عالمه الأصلي: من هاكني إلى حي هولاند بارك الراقي الذي استقرّ فيه بعد التكريس، لن يفقد شيئاً من صفائه، ولن ينسى رائحة العطنة القديمة، ولا الهامشيين والمتسكعين واللصوص الصغار الذين التقاهم في قاع المدينة حيث اختبر، ليعيش، كل الأعمال الصغيرة.
ينتمي بينتر إلى جيل «الشباب الغاضب» الذي اقتحم الخشبة في بريطانيا مطلع الخمسينيات، ليطيح النسق البورجوازي المهيمن، والتقاليد الشكسبيريّة القائمة حينذاك على الأطناب... منذ مسرحيّته الأولى «الغرفة» (1957) فرض تحوّلاً في النبرة والشكل والأسلوب. وسرعان ما ألحقها بعملين في العام نفسه: «الخادم الأخرس» و«حفلة عيد الميلاد»: «هكذا صرت كاتباً مسرحياً على غفلة من الجميع!»، علق ذات مرّة. معه برز نوع آخر من المسرح الذي جانب الواقع، يقول مأساة الوجود والجحيم الفردي في إطار مضحك. مسرح مقلق يقوم على الصمت، ويتفادى المعالجة الواضحة والتفسير، ويوظّف اللغة في سياقات مغايرة منحرفة عن المعنى المباشر. وحده المشاهد في مسرح بينتر من شأنه أن يجد التفسيرات، ويحل الأحاجي، ويرسم العلاقات الممكنة بين مختلف الأحداث. الصمت حاضر هنا في الكلام، والمعنى في الصمت، والواقع في غيابه الدائم وثغراته الكثيرة وخلله المزمن.
في ثلاثيّته الأولى نجد كل ميزات أعماله اللاحقة التي ستطلق عليها تسمية «كوميديا الغرابة المقلقة». فضاء مغلق يبدو مساحة ميتافيزيقية أكثر منها واقعيّة، يقتحمه دائماً الدخيل ليقلب الأشياء رأساً على عقب. بائع الكبريت القليل الكلام في «شيء من الألم» (1958) يصبح مرآة للزوجين المستكينين إلى حياتهما الروتينيّة، فيسقطان عليه كل ما في جعبتهما من مخاوف ورغبات دفينة. أما المسرحيّة التي ستشهره عالمياً، أي «الحارس» (1960)، فتدور في مستودع غارق بأشياء من كل الأنواع، على شكل لعبة بين المتسكّع والأخوين، كل ينصب فيها الفخاخ للآخرين ويعمل على إخضاعهم، فيما طيف العنصريّة يخيّم على الحدث.
في «العودة إلى الوطن» (1968) و«أيّام زمان» (1971) الشخصيّة المحوريّة امرأة هي كائن غامض وسرّي يحرّك لدى الآخرين الرغبات والمخاوف. في «منظر طبيعي» (1968) شخصيتان، كل واحدة تصف مشهداً لا علاقة له بالآخر، قبل أن نكتشف أن العلاقة ممكنة بينهما من خلال الصورة المقلوبة التي يقدمها للآخر. خلافاً لمعلّمي العبث أمثال أوجين يونيسكو الذين بنوا رؤيتهم على استحالة التواصل بين الأفراد، يعتبر هارولد بينتر أننا نتواصل جيّداً مع الآخرين، لكن عن طريق ما لا نقوله، من هنا الأهمية القصوى للصمت في مسرحه. فاللغة ليست سوى حجاب من الدخان تموّه الخطاب الحقيقي: «خلف ما نقوله يختبئ دائماً شيء آخر نودّ قوله».
ابتداءً من الثمانينيات، سيمضي الكاتب إلى راديكاليّة سياسيّة من «لغة الجبل» (1988) إلى «من الرماد وإلى الرماد» (1996)، مروراً بـ«النظام العالمي الجديد» (1991). إنها المرحلة النقديّة تجاه الأنظمة السياسيّة الغربيّة، ونزعتها الاستعماريّة الجديدة التي جعلت من الكاتب ناشطاً سياسياً. اتخذ موقفاً صارخاً من سياسة الأمم المتحدة في البلقان وتدخلها في كوسوفو (1999)، ثم عاود وقفته بعد غزو أفغانستان والعراق. وقد فاز بـ«جائزة نوبل» (2005) على هذا الالتزام بمقدار دوره الأدبي الرائد. في العام نفسه أعلن بينتر أنه سيعتزل الإبداع ويتفرّغ للسياسة... لكنّه عاد إلى الخشبة ممثلاً في 2006، مؤدياً مونودراما شهيرة لمعلّمه الأوّل بيكيت بعنوان «الشريط الأخير».