بعضهم اتّهمها بتحويل تغطية الانتخابات الأميركية إلى «استعراض برّاق ومكلف»، وآخرون تساءلوا عن جدوى هذه التقنية، فيما أبدى بعض المشاهدين انزعاجهم... لكنّ الأكيد أنّ فتحاً جديداً بدأ في مجال الإعلام


صباح أيوب
في ليلة الانتخابات الأميركية الطويلة، وقفت مراسلة الـ«سي إن إن» من ولاية شيكاغو جيسيكا ييلن وأفادت بتقريرها مباشرة من هناك، لكن ما هي إلّا لحظات حتى انتقلت الصحافية، كما هي، إلى استوديو البث الأساسي في نيويورك، لتشارك مقدّم البرنامج وولف بليتزر البلاتوه: «هاي وولف»، حيّت المراسلة المذيع الذي بات يقف، مذهولاً، على بعد خطوات قليلة منها! ييلن التي، حسب موقعها في شيكاغو، كانت تبعد حوالى 700 ميل عن استوديوهات الـ«سي إن إن» في نيويورك، «نُقلت» بثوان إلى هناك و... مباشرة على الهواء! تقنية صورية استخدمت لأول مرّة على شاشات التلفزيون. فكيف فعلتها الـ«سي إن إن»؟ ما هو سرّ هذه التقنية؟ وهل دخلنا عصر الهيولى الإعلامية؟
«هولوغرام» هو اسم الظاهرة التي جعلت من تلك الليلة الاستثنائية تاريخية على المستوى الإعلامي. تقنية بصرية تستخدم الصورة الثلاثية الأبعاد وتخلق صورة جديدة معتمدة على عملية تناسق الأضواء (كالليزر). فكيف نُقلت ييلن من شيكاغو إلى نيويورك؟ ما لم نره في تلك الليلة هو أنّ ييلن كانت متمركزة داخل خيمة ضخمة وسط حديقة في ولاية شيكاغو، وفي غرفة دائرية لُوّنت بالأخضر البرّاق وقفت المذيعة، وتولّت 35 كاميرا (High definition) مزروعة على حائط الغرفة التقاط صورتها فغطّتها من 220 درجة. وكاميرات شيكاغو تلك موصولة بـ«زميلاتها» الكاميرات في استوديو نيويورك، وهي «تتحدث» معها مباشرة، فالحركة أو الصورة التي تلتقطها عدسات الغرفة الخضراء في شيكاغو تُنقل كما هي، وآنياً إلى استوديو نيويورك عبر مجموعة الكاميرات الموجودة هناك. هكذا، نقلت الـ35 كاميرا ييلن (أو صورتها الحيّة) من الخيمة إلى البلاتوه دون أن تكون هذه الأخيرة قد خرجت خطوة واحدة من مكان التصوير. فمن هو المخطط والمنفّذ؟
«أحلم بتطبيق هذه التقنية منذ 12 سنة!» يقول دايفد بوهرمان، نائب رئيس محطة الـ«سي إن إن» ومسؤول مكتب واشنطن على موقع المحطة الإلكتروني. ويضيف: «كنت كعالم فيزيائي مجنون يحاول تطبيق هذا العلم في التلفزيون منذ سنوات، حتى نجحت في تلك الليلة». ويشير بوهرمان إلى أنّ ما جرى مع تجربة ييلن في سهرة الانتخابات هو «الخطوة الأولى في هذا المجال». من جهة أخرى، يوضح تشاك هيرلي منفذ تقنية الـ«هولوغرام» في الـ«سي إن إن» أنّ أول من طوّر هذه العملية وأدخلها إلى المحطة هو غال أوز (وهو تقني يعمل في محطة رياضية إسرائيلية). وقد استخدمت المحطة الإسرائيلية الـ«هولوغرام» في نقل المباريات والتقاط الصور المباشرة من زوايا متعددة. وكان هدف أوز الذي انتقل للعمل في الـ«سي إن إن» أخيراً «إضفاء طابع «ماتريكس» على الأحداث الرياضية». ورغم الجهود المبذولة والمحاولات السابقة، لم يُعمل بجدية على تنفيذ الموضوع إلا في الأشهر الثلاثة الأخيرة التي سبقت ليلة الانتخابات، «كان الهدف الأساسي إطلاقها في تلك التغطية»، يشرح هيرلي. وعلى الرغم من نجاح العملية، إلا أنّ هيرلي وأوز اعترفا بأنّه «كان من الممكن إبراز الصورة بشكل أفضل»، وأنّ هناك أخطاءً صغيرة «يجب تفاديها في المرّة المقبلة...كي لا تشبه الحلقة أحد مشاهد الأفلام السينمائية الخرافية». ويعد التقنيّان بأنّه خلال العشر سنوات المقبلة سيصبح «الهولوغرام» أحد أهمّ الظواهر الإعلامية والتلفزيونية خاصة.
واللافت أنّ أغلب ردود الفعل، على ما قامت به الـ«سي. إن. إن» في تلك الليلة جاءت منتقدة وغير مرحّبة بالفكرة. إذ إنّ البعض اتهمها بتحويل التغطية والحياة السياسية إلى «استعراض برّاق ومكلف»، بينما الآخرون تساءلوا عن «جدوى تنفيذ تقنية كهذه في الإعلام، وفي تلك الليلة بالذات، طارحين سؤالاً: ماذا أضافت إلى مسار التغطية الفعلية لليوم الانتخابي؟»، كما أبدى بعض المواطنين «انزعاجهم» مما شاهدوه في تلك الليلة على شاشة محطتهم الوطنية.
وعلى الرغم من أنّ أسلوب الـ«هولوغرام» استخدم أخيراً من شركات اتصالات وهواتف في نقل أشخاص للمشاركة في محاضرات عن بعد، إلا أنّ استخدامه على التلفزيون يعدّ فتحاً جديداً في تاريخ تطور الإعلام المرئي والعمل الصحافي.
فهل ستنقلنا المحطة الأميركية مرّة أخرى إلى مرحلة جديدة من الإعلام المرئي؟ وماذا سيضيف فعلاً الـ«هولوغرام» على التغطية الصحافية؟ وإلى أي درجة يمكن أن يمثّل خطراً على مصداقية الصورة؟ قد ننتظر 20 سنة حتى نتمكن من معرفة الإجابة، لكن السباق بدأ والمنافسة جارية حتى لو بلغت تكلفتها الملايين.



كـ«الأميرة ليا» في Star Wars

في أوّل تعليق لها، قالت مراسلة الـ«سي إن إن» جيسيكا ييلن التي كانت أوّل وجه إعلامي يختبر الـ«هولوغرام»، إنها شعرت كأنها «الأميرة ليا في فيلم Star Wars السينمائي». كما ردّت على الانتقادات التي وجهت للمحطة ولمنفّذي التقنية تلك، شارحة «نحن في «سي إن إن» نعمل بجدّية، ولكننا في الوقت نفسه نتفنّن في التسلية»، وأضافت «نحاول مزج الضحك والترفيه بالجدّ أحياناً، لأنّ ذلك يهوّن على المشاهد تلقّي الأخبار». وقد شرحت ييلن خلال تلك الليلة التقنية للمشاهدين على التلفزيون بعيد انتقالها صورياً من شيكاغو إلى الاستوديو في نيويورك