سعد الله ونّوس وداريو فو في ضيافة «المسرح الأردني»


عمّان ــ أحمد الزعتري
لم يصمد المسرح التجريبي أمام النصوص الكلاسيكيّة، أو لنقل تلك الشهيرة التي أعيد إنتاجها على مسرح «المركز الثقافي الملكي» في عمّان، ضمن عروض «مهرجان المسرح الأردني». صحيح أنّ العروض لم تنته بعد (حتى 27 ت 2/ نوفمبر)، لكن ما قُدّم حتى الآن لم يبشّر بأعمال مسرحيّة ناضجة في التجريب، رغم المحاولات المستمرة لتقديم عروض حداثية استندت إلى مسرح القسوة في بعض منها، أو استخدمت قضايا مثيرة للجدل في بعضها الآخر كقضايا الشرف. الدورة الـ 15 (الدورة العربية السابعة) من المهرجان كشفت بشهادة النقّاد عن تراجع الحالة المسرحية العربية عموماً. فالمهرجان الآن لا يقارن تقريباً بدوراته الأولى، والعيب ليس في إدارته، بل في مستوى العروض التي ترشّحها وزارات الثقافة العربية. وتجدر الإشارة إلى غياب المسرح اللبناني الذي ترك أكثر من علامة استفهامالحضور كان مكتملاً في جميع المسرحيّات، واللافت أنّه لم يقتصر على المثقفين والمسرحيين والكتّاب، كما هي الحال عادةً، بل إنّ نسبة هؤلاء كانت قليلة جداً مقارنة بمحبّي المسرح من المشاهدين العاديين. وربما برّر ذلك التفاعل مع المسرح كلّما هبط فنياً وارتفع تجارياً. وهنا تجدر الإشارة إلى وجود ثلاثة أنواع من المسرح في هذا المهرجان التجريبي والكلاسيكي والتجاري.
ومن العروض التي لقيت نجاحاً كبيراً، المسرحية الكويتية «من هو؟ من؟» التي قدّمها المخرج أحمد الشطّي عن نص للإيطالي داريو فو، صاحب نوبل الآداب ــــ 1997. ورغم أنّ هذا النص لم يكن من أهمّ نصوص فو الذي يوجّه انتقاداً حاداً إلى السلطة بكل أشكالها، ويتناول عادةً البيروقراطية الحكومية والفساد والاستبداد وقضايا المرأة والطلاق وسلطة التقاليد الدينيّة، إلا أنّه كان اختياراً موفقاً إلى حدٍّ بعيد. إذ إنّ الحكاية تجري في منزل رجل غني في إيطاليا. وبينما يتعرّض منزله للسرقة، يصل بصحبة عشيقة فيفاجئهما اللص ثم الزوجة ويُجبِر السارق والعشيقة على الادعاء أنّهما متزوجان. هكذا، تتوالى الأحداث بعفوية، ويختلط العشّاق بالمتزوّجين، لمصلحة معالجة قضية الطلاق الكاثوليكي والفروق بين الطبقة الوسطى والمعدمة والأغنياء بذكاء. هذه هي الحكاية، أمّا سبب نجح الشطّي، فيعود إلى اختيار الممثلين الذين برزوا فعلاً بعفويتهم وحضورهم وفهمهم العميق للشخصيات التي تحتاج إلى جرأة وشجاعة من النساء بالذات... وخصوصاً حين يكون العرض من بلد محافظ مثل الكويت. هذا إضافةً إلى إخلاصه للتقاليد المنهجية المسرحية، واعتماده كوميديا الموقف بعيداً عن التهريج.
وبينما ارتقى الشطّي بعمل مسرحي مهمّ، سقطت مسرحيّة «إشارات وتحولات» الأردنية (إخراج زيد خليل مصطفى) في هوة التهريج والتسخيف. المسرحية مقتبسة عن نص «طقوس الإشارات والتحولات» لواحد من أهم المسرحيّين العرب، وهو بالطبع سعد الله ونّوس. وقد رأى الناقد المسرحي العراقي عوّاد أنّ «المخرج أساء إلى النص، فليس في نصّ ونّوس زيادات حتى يقتصّ منها». يعالج النص قضيّةً مهمةً وحساسةً، هي ازدواجية رجال الدين، وانفصام الممارسة الدينية التطبيقية. ولم يستطع المخرج، أو لم يرِد، القبض على الفكرة، وأقحم مشاهدَ مغرقة في المحليّة الأردنية لحرَس المفتي (الفاسد) الذين لم يمتلكوا حتى أدوات النطق الصحيح (وهذا ينطبق على الممثّلين كافة)، واعتمد تهريج «أفيهات» الأفلام المصرية الكوميدية لينقلب الحرس فجأة إلى غانيات يرقصن بملابس الرقص، ويردَحنَ لبعضهن. بل إنّ لمسلسل «نور» حضوراً في المسرحية، إذ يعرض فيه ممثلان مشهداً من المسلسل لتتعالى الضحكات. إقحام هذا المشهد انتقده بشدّة النقاد، وإن كان بهدف ازدراء المسلسل إن افترضنا حسن النيّة. وهذا ما جعل حضوراً يخرجون من العرض ورأيهم أن نص ونوس Funny... أما في الواقع فإن ونّوس لم يكن حاضراً في نصّه.
أما المسرح التجاري المصري، فأعاد إنتاج نفسه باسم المسرح الجاد أو عاد إلينا تحت لواء التجريب. إذ بنيت المسرحية المصرية «حارة العم نجيب» من إخراج أحمد حلاوة وإعداده وتمثيله، على ثلاثية نجيب محفوظ، انطلاقاً من شخصيّة «سي السيّد». لم يكن الديكور الذي استقبل الحضور مبشرّاً: ثلاثة ألواح كرتونيّة ضخمة معلّقة وملوّنة بألوان تفتقر إلى الحس الجمالي ومصمّمة فقط لتخبئ مسرحاً مصغّراً للدمى. يبدأ العرض بفرقة شعبيّة مصرية تغني وتعزف على لسان الدمى، ثم يظهر أبو حلاوة النائم على سرير خشبي مرتدياً بيجامته وقبعته التقليديّتين، ليغني ويتحاور ويرقص مع الدمى. صراخ الممثلين أدّى إلى هروب عدد كبير من الحضور مباشرة، فضلاً عن الإغراق في اللهجة الشعبية المصرية...
وقد خاب أمل المؤلف المسرحي الأردني جمال أبو حمدان في نصّين من أعماله المسرحية، فجاءت «قاتل ومقتول» من إخراج علي الجرّاح متوسطة المستوى. وفيما نجح الجرّاح في تعميق قضية الإنسان المعاصر المأزوم الذي يخوض صراعاً مع ذاته ومع الآخر عبر قصة القتل الأول «قابيل وهابيل»، اختلفت وجهتا نظر المؤلف والمخرج في السينوغرافيا. إذ تتداخل القصة التاريخية مع رغبة أحد المحقّقين في إعادة مشهد القتل مرات ومرات، وتتطور أداة القتل في كل مشهد، بدءاً من أداة حديدية، وصولاً إلى مفرمة اللحم. أُخذ على العمل إفراطه في السخرية الكوميدية التي لم تميز كتابة أبو حمدان بأي شكل من الأشكال.
أما مسرحيته الثانية «رقّ الدم» من إخراج لينا التلّ، فلم تكن أفضل حالاً. إذ سقط العمل الذي يتناول قضية جرائم الشرف، منذ الدقائق الأولى، حين بدأ الفنانون بشرح فكرة العمل ومعنى أسلوب المسرح التفاعلي للحضور، ثم تقديم الرجل على أنّه مصاص دماء في غياب لمعالجة منظومة اجتماعية يعانيها الرجل على حد سواء مع المرأة.
حضور المرأة لم يقتصر على المسرحيات، إذ كرِّست الندوات الفكرية التي أقيمت على هامش المهرجان لقضايا المرأة والمسرح. هكذا، نوقشت مسائل من قبيل «المرأة والمسرح، دراسات تاريخية»، «المضامين الفكرية في الأدب المسرحي النسوي»، و«المرأة وحركة التمثيل والإخراج المسرحي». وكرّم المهرجان عدداً من روّاد المسرح العربي أبرزهم يوسف العاني من العراق، رجاء بن عمّار من تونس. أما العروض الباقية التي يتوقع أن تصعد بمستوى المهرجان فهي «حر الظلام» من تونس، «إيقاعات رملية» من سوريا، «الكرسي» من البحرين، «أنسواهيروسترات» من الجزائر.

«أحلام مقيّدة» ومسرح القسوةاقتُبس نص «أحلام مقيدة» عن ثلاثة أعمال مختلفة، وهي «مرتجلة أوهيد» لصموئيل بيكيت، ورواية «المايا» لغاستون غاردر، وقصيدة لقاسم حدّاد. وفي الواقع إن هذا المزيج لم يحقق المبتغى منه سوى أنّه زاد من تشظي العلاقة بين العمل والمتلقي، بل والترابط في مشاهد العمل نفسه التي اكتنفها العبث والتوتر غير المبرّر مسرحياً. أما الكوريغرافيا فجاءت غير متقنة، حتى بدت مرتجلة بلا معنى في معظمها. يمكن أن نقول إن هذا العمل التجريبي بتطرّف يجسّد فهماً تقليدياً للحداثة بمفهوم الإغراق في الانعزالية واستخدام الممثلين في مواقف جامدة، حتى يبدو أنّ كل ممثل هو عبارة عن مسرحية منفصلة وحده. لكن هذا لا يقلل من درجة تمكّن هؤلاء من تجسيد ما أوكل إليهم تجسيده، وخاصة الممثلتين مايته مورال وريان مشلينا.
لكن هاني أيضاً، استخدم هؤلاء الممثلين الذين يتحدثون العربية والإسبانية والهولندية والإنكليزية لينجح في إعادة بناء الحواجز التي تفصل بين البشر على اختلاف أعراقهم. كما أفاد من تقنية الكوادر السينمائية بتركيب المشاهد ومن ثم تفكيكها.
هذه التجربة لم تبدُ معنية بالمتلقي كثيراً: اللغة العربية تخفت لمصلحة اللغات الأخرى، ما ألقى بالمشاهد في حالة انقطاع مع ما يدور على الخشبة، وزاد الأمر سوءاً حشد «الحركات» البصرية والديكور والأصوات؛ فثمة منصة خشبية صغيرة ترتفع من الخشبة الرئيسية، في وقت يخرج فيه أشخاص يرتدون الخوذات من تحت المسرح وتبدأ المفرقعات النارية مع صوت المخرج الذي يلقي النص من خلف الجمهور.
أما الموسيقى، فلم تكن سوى نغمات تقليدية للعود، الأمر الذي لا يتسق مع مضمون المسرحية وشكلها.