خليل صويلح

في تجربته الإخراجية الثالثة بعد «صدى» و«فوضى»، يعود عبد المنعم عمايري في «تكتيك». لا يبتعد العرض الجديد الذي استضافته دمشق أخيراً، عن المناخات التي عالجها في عرضيه السابقين. لكنه هنا يفتح الدائرة على اتساعها ليرصد انهيار عائلة من الطبقة الوسطى، في محصلة لجملة تحولات أصابت الفرد في مجتمع جديد وجد نفسه بغتة في عراء الإيديولوجيا الآفلة. الزوج (فايز قزق) مثقف ماركسي، يعيش أوهام الثمانينيات وتطلعاتها وعبثيتها، ما يقود الزوجة (رغد مخلوف) إلى هجره، فتدفع الثمن ابنتهما القاصر فتهرب من المنزل لتضيع في القاع. قد تبدو الفكرة مغرية للمعالجة، لكنها في الواقع بدت مشتتة ومفككة وبرّانية، إذ لم تتوغل في أسباب هذا التفكك، وبقيت تلامس السطح. الزوجة ستهاجر إلى فرنسا (بكل بساطة؟) وتعود بعد سنوات لتفتش عن ابنتها الضائعة، لتتهم الزوج بأنه وراء ضياع الابنة. سيبحثان عنها في كل مكان، فيما سنكتشف نحن من موقع المتفرج أنها تعمل في فرقة استعراضية راقصة في ملهى ليلي. في هذا المكان سنجد حالات استلاب مشابهة، بينها حالة بيسان الفتاة الفلسطينية التي ولدت في أحد المخيمات الفلسطينية في لبنان، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وضياعها هي الأخرى في متاهات العالم السفلي.
صاحب الملهى (قاسم ملحو) وجد في انهيار الاتحاد السوفياتي فرصته للثروة، باستيراد راقصات روسيات للعمل. سيحاول إغراء الفتاة الهاربة التي تتعرف إلى شاب، هو الآخر ضحية أب سكّير وجلاد، وإذا بهما في نهاية العرض يعيدان سرد سيرة الأسرة الأولى. كأن عبد المنعم عمايري الذي كتب النص بمشاركة حكيم مرزوقي، يريد القول إنّ الأسرة العربية تعيد إنتاج نفسها بالآلية عينها، لذلك تكون ضحية التفكك والهزائم. لن ينظر النص إلى فحص الداخل وتأثيره المباشر على أسباب هذا التفكك والانهيار، بل يضع كل أسباب البلاء على الخارج، وهو هنا إسرائيل وأميركا. هذا الانفلاش في الزمن، أوقع النص في مطبّات كثيرة لجهة التأريخ لأحداث كبرى عبرت المنطقة، بدت أكبر مما يحتمله النص. قد يرد في ذهننا في هذا السياق، ما طرحه الفاضل الجعايبي في «خمسون» وإن اختلفت المقاصد السردية، فعناصر العرض متشابهة، بخلاف أنّ الفتاة بدلاً من أن تقع في أحضان الجماعات الإسلامية، يصطادها ملهى ليلي.
يلجأ عمايري إلى الرقص التعبيري بوصفه مقترحاً سردياً موازياً لحمولة النص الافتراضية، في سينوغرافيا لافتة ومقترحات بصرية ومشهدية أحسن إدارتها. لنقل إذاً، ربح عبد المنعم في كونه مخرجاً، وخسر اللعبة في كونه كاتب نص.