يبدو أن المعارك القضائية التي يخوضها المؤرخ فرنسوا غارسون ضدّ المخرج هوبرت سوبر لن تنتهي قريباً. وها هو الشريط الذي أثار الجدل، وكشف خفايا «سياسة الفقر الأفريقي»... يعود إلى المحكمة


باريس ــ خضر سلامة
على رغم الحكم الصادر في شباط (فبراير) الماضي، وهو الحكم الذي جرم فيه القضاء الفرنسي المؤرخ السينمائي والمحاضر في «السوربون» فرنسوا غارسون بتهمة القدح والذم ضدّ الفيلم الوثائقي «كابوس داروين» (Le Cauchemar De Darwin/ أنتج عام 2005)... يبدو أن غارسون ما زال مصرّاً على أقواله. إذ تقدم أخيراً بدعوى جديدة ضد مخرج الفيلم النمساوي هوبرت سوبر، بدعوى الخداع والمراوغة.
و»كابوس داروين»، هو وثائقي فرنسي، صُوِّر في تنزانيا، ويجول بين مطار موانزا وبحيرة فكتوريا، في رحلة لاستكشاف خفايا «سياسة الفقر الأفريقي». وفيه، تتنقل الكاميرا وسط الدمار البيئي الذي سببه الصيد الكثيف والعشوائي للسمك، وسببته أيضاً سياسات الحكومات المحلية ـــ بتحريض غربي ـــ بهدف توطين نوع من السمك، يعدّ الأكثر تكاثراً. ما أدى إلى القضاء على 200 نوع آخر، وعلى البيئة المحيطة. وكل ذلك يرمي إلى توظيف الصيد في المصالح الخاصة لشركات كبرى وبعض التجار والسياسيين. إذ تُصدّر ملايين الأطنان من الأسماك إلى أوروبا، مقابل شحن كميات هائلة من المساعدات والأدوية الرخيصة أحياناً... ومن السلاح في غالب الوقت! سلاحٌ يراد له أن يكون وقوداً لحروب الفقراء في أفريقيا، فيما الأغنياء يستوردون الغذاء ومعه الحياة... ويورّدون الموت!
الفقراء في الفيلم لهم حصّتهم الكبيرة. هوبرت يركّز على كل التفاصيل، وخصوصاً أن كلّ ما يعيشه الناس هناك جاء نتيجة آثار اقتصاد الصيد: العمالة العشوائية في قطاع الصيد وتعليب الأسماك والأجور المتدنية إلى ما يقارب الصفر، وغياب أدنى الشروط الصحية للعيش، والجياع الذين يقتاتون من فضلات ما يبقى من تجهيز الأسماك للتصدير من عظام ورؤوس أسماك وما يتشاركونه مع الكلاب والطيور، والأطفال المدمنون المعرضون لأبشع أنواع الاستغلال الجنسي، والعاهرات اللواتي ينتظرن قباطنة الطائرات الروسية والأوروبية لجني المال، ومرض الإيدز المنتشر في كل مكان... كل ذلك خلفه الاستغلال البشع من الأغنياء للبحيرة ولقاطني المنطقة. بحيرة فكتوريا سبب مهم للبقاء لمن يعتاش منها طبعاً، وجاذب مهم للاستغلال ولمطامع الأجانب أيضاً، ولو على حساب كل شيء حي.
وبعد إنتاج الفيلم بعام، وتحديداً في شباط (فبراير) عام 2005، سجّل أستاذ مادة تاريخ السينما في «السوربون»، فرنسوا غارسون (ذو الميول اليمينية) اعتراضه على الفيلم، في مقال نشره في صحيفة «ليبراسيون». وشكك فيه، في روايات الأطفال وما صُوِّر من أحداث، متهماً المخرج بشراء الحالات واستئجار الأطفال لأداء أدوار مرسومة لهم في عمل سينمائي بحت غير وثائقي وغير إنساني. كما شكك غارسون في قصة طائرة «الأنتونوف» المحمّلة بالأسلحة الإسرائيلية التي رواها الشريط، متحججاً بكون هوبرت لم يصور ولم يثبت موضوع الأسلحة مقابل الأسماك بل اكتفى بعرض آراء. اعتراضات غارسون واتهامه هوبرت بالتزوير لم يتوقفا عند حدود المقال. وفي مقابلة إذاعية أوائل عام 2007 أعاد ادعاءاته، ليلجأ هوبرت بعد عام، في كانون الثاني (يناير) 2008، إلى إقامة دعوى ضد غارسون بتهمة التشهير. دعوى قادتهما إلى المحكمة، ثم حكمت محكمة باريس بإدانة غارسون في شباط (فبراير) 2008 وتغريمه مبلغ 500 يورو، متذرعة بضعف الأدلة بيد المدّعي.
لكن غارسون لم يستسلم. وإذ به أخيراً يعيد فتح القضية عبر ادعاء ضد هوبرت، أعاد الوثائقي إلى المحكمة يوم الأربعاء الماضي. ومجدداً، اتهم المؤرخ المخرج بالخداع والكذب، متحججاً هذه المرة بإعداد مقابلاتٍ مع الأطفال الذين عرضوا في الفيلم، يعترفون فيها بأنهم تلقوا المال مقابل ظهورهم في عمل هوبرت. أما محامي الأخير، فأكد «أن الأطفال تعرضوا للضغط من أجل أن يقولوا ما يريد غارسون سماعه». فيما تعنّت محامي المدعي الذي رأى أن «اعترافات الأطفال تثبت الحق المباح وغير المشروط لحرية النقد بأي نبرة يختارها الناقد، وفي أي موضوع يريده».
ومهما كانت النتيجة، يبقى أن «كابوس داروين» هو عمل يظهر كابوساً إنسانياً حقيقياً ولو اختلف النقاد على تفاصيل معينة لا تخفي جوهر الفكرة والشريط.