«مجموعة دمشق لموسيقى الحجرة» في أمسيتها البيروتيّة


بشير صفير
بعد حفلته الأخيرة مع عازف الكونترباص فرانسوا ربّاط في بيروت الشهر الماضي، عاد عازف الكلارينت السوري كنان العظمة إلى مسرح «مونو»، وفي جعبته نواة مشروعٍ جديد ذي اتجاه كلاسيكي/ عربي/ معاصر. ما سمعناه مساء أول من أمس في حفلة «مجموعة عازفي مهرجان دمشق لموسيقى الحجرة» هو المرحلة الأولى من المشروع التي حملت توقيع مؤلفين من سوريا، فيما ستشهد السنة المقبلة ولادة التجربة الفلسطينية في مناسبة احتفاليّة «القدس عاصمة الثقافة العربية 2009».
ويهدف هذا النشاط الذي يشرف عليه العظمة فنياً، إلى الإضاءة على القدرات الإبداعية التي يختزنها الوطن العربي في مجال التأليف الموسيقي الكلاسيكي المعاصر. هكذا انطلق في آذار (مارس) الماضي من دمشق، حيث كلّف قسم «الثقافة والتراث لدى الأمانة السورية للتنمية» مجموعةً من المؤلفين السوريين كتابة أعمال موسيقية جديدة لكي تؤديها المجموعة الخماسية التي تضم إلى كلارينت كنان العظمة، البيانو (رامي خليفة، لبنان) والفيولا (وسام بن عمّار، تونس) والتشيلّو (حسن معتز، مصر) والكمان (ميّاس اليماني، سورياالأعمال التي كتبها المؤلفون كريم رستم (1971) وشفيع بدر الدين (1972) وزيد جبري (1975) وضياء سكري (1938)، «خلقتها» الفرقة في سوريا (كما يقال في قاموس الموسيقى الكلاسيكية، أي تتولى العملية الأولى لتحويل المادة المكتوبة إلى مادة صوتية)، ثم قامت بتسجيلها في الاستوديو، وأصدرتها في أسطوانة «موسيقى سورية معاصرة». بعد ذلك، انطلقت الجولة الخاصة بالمشروع، فقدمت الفرقة أمسيةً في عمان وتلتها المحطة البيروتية وحطت رحالها مساء أمس في مدينة حلب.
بدايةً، ما سمعناه في «مونو» مساء الأحد الماضي مثّل أحد أبرز وأجمل اللقاءات الموسيقية الكلاسيكية المعاصرة التي شهدتها العاصمة اللبنانية في السنوات الأخيرة، وذلك على مستويَيْن: الأول، في ما يخصّ التأليف، عكست الأعمال رؤية مبدعيها وشخصيتهم، وهي لا تقل مستوى عن التجارب الغربية المعاصرة (غير التجريبية الراديكالية) المتجذرة بتاريخها والمنتمية إلى حاضرها وبيئتها. وتميزت باتجاه حداثوي استنتاجي ينمّ عن استيعاب عالم الموسيقى الكلاسيكية على امتداد حقبه، لذلك نجحَت في الانتماء إلى الحالة العالمية الجدية من دون التخلي عن الهوية العربية (تطعيم شرقي، إيقاعاً ومقامات). الثاني، وهو لا يقل أهمية عن الأول، يتجسّد في الأداء المتقن للفرقة، لجهة التمكّن التقني الكلّي لكلٍ من آلته (مع تنويه إضافي ــــ في عائلة الوتريات ــــ لعازف التشيلّو، الذي قد تكون آلته أسهمت في تميّزه الطفيف)، كما لجهة الإضافة التعبيرية التي لا تَنتُج إلا من اختمار الأعمال وراء أصابع مؤديها، ومن فهم القصد الباطني وغير المُعلَن لمكوناتها.
من جهة ثانية، تُقسَم الأعمال الأربعة إلى ثلاثة أقسام، إذا انطلقنا من ذائقة الجمهور العربي: «بحور» (كريم رستم، وهو أكثر المؤلفين الأربعة استقلالية في هويته الموسيقية)، وهي مؤلفة مستوحاة من بحور الشعر العربي (يغيب عنها البيانو)، تلامس التراث اليهودي في حركتها الأولى، وتعلن شرقيتها بوضوح في الثانية، وتبين اعتمادها الوزن الشعري اعتماداً واضحاً في الثالثة. «في ذكرى صلحي الوادي» (زيد جبري)، وهي مؤلفة حنينيّة المزاج على الطريقة التاركوفسكية (نسبة إلى السينمائي السوفياتي أندريه تاركوفسكي)، مهداة إلى أب الحالة الموسيقية في سوريا (الكلاسيكية خصوصاً)، ويتخللها إدراج طفيف لمادة صوتية إلكترونية (يغيب أيضاً البيانو عنها) وتنتهي بتلميح (مقصود؟) إلى ختام افتتاحية «كوريولون» لبيتهوفن في لعبة بيدزيكاتو (العزف على الأوتار نقراً)/ صمت/ بيدزيكاتو.
هذان العملان يمثّلان القسم الأول، ويقفان على الحد الأقصى للمعاصر العربي ذي النَفَس الحداثوي. أما «خماسي» (شفيع بدر الدين)، فيتخطّى تخطّياً طفيفاً هذا الحد، ويتجسّد ذلك بالعزف التجريبي على البيانو، والتعويل على تقنية الانزلاق (غليساندو) والتعقيد الهارموني، علماً بأنّ المؤلف لجأ بكلاسيكية إلى مقامات شرقية (بنَفَس نغميّ ديني سرياني أثناء الحركة الثانية). في القسم الثالث نجد «خماسي لمهرجان دمشق» (ضياء سكّري) الذي يميل إلى المعاصر المحافظ الذي يحاكي الرومنطيقية وما بعد الرومنطيقية الفرنسية (أشير في الكتيب إلى غبريال فوريه، ونضيف إليه كاميّ سان ــــ سانس).
أمّا ما نتمنّاه، إضافةً إلى تقدير العالم العربي لهذه الأعمال، هو أن تصبح عالمية من خلال تأمين وسائل نشرها من جهة (حفلات في الخارج، تصدير الأسطوانة المسجلة إلى السوق العالمية)، واهتمام الموسيقيّين الغربيين بإدراجها في برامجهم وأدائها برؤية أخرى إذا ما جرى تناول هويتها بموضوعية موسيقية علمية، بعيداً من الحكم المسبّق على العرب. في ختام الأمسية البيروتية، دعا كنان العظمة في المناسبة المؤلفين الموسيقيين اللبنانيين المعاصرين إلى المشاركة في المشروع، إذا توافرت لديهم النية في كتابة أعمال خاصة للفرقة الخماسية.