تضمّ الأوركسترا موسيقيين عرباً وإسرائيليين، وتسعى إلى خلق فسحة تفاعل وحوار. وقائدها لا يفكّر سوى بشيء واحد: زيارة الشرق الأوسط


بشير صفير
أن يتناول إيمانويل دوبوي، رئيس تحرير مجلة «ديابازون» الفرنسيّة المتخصصة بالموسيقى الكلاسيكية، موضوعاً محدّداً في افتتاحيته بهدف تسليط الضوء عليه، فهذا يعني أنّ الموضوع يدور حول أهم حدث موسيقي راهن، اختير من بين عشرات المواضيع الأخرى. وموضوع افتتاحية هذه المجلة الأهم في فئتها، يرتبط بشكل أو بآخر بعالم الموسيقى الكلاسيكية ولا يتمحور بالضرورة حول الشقّ الفني لهذا العالم. قد تكون المسألة تجارية (سوق الأسطوانات) أو تكنولوجية (كل ما له علاقة بالصوت) أو حتى... سياسية. في العدد الصادر لشهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أتت افتتاحيّة دوبوي غير معنونة (كعادتها)، تتوسطها بأحرفٍ حمراء جملة يعتبرها المحرِّر محورية: «إنه لأمرٌ أساسيّ أن تتمكّن «أوركسترا الديوان الشرقي ــــ الغربي» من تقديم حفلات في الشرق الأوسط، حيث تكمن نموذجية مسيرتها الأكثر أهمية».
انطلق رئيس تحرير «ديابازون» من كلمة ألقاها قائد هذه الأوركسترا ومؤسِّسها (مع شريكه المفكّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد) الأرجنتيني/ الإسرائيلي دانيال بارنبويم، بعد حفلة قدّمها مع موسيقيّيه في العاصمة الفرنسية في 25 آب (أغسطس) الماضي. يومها، توجّه بارنبويم إلى الجمهور قائلاً: «لن أشعر بالرضى إلا عندما تتمكّن أوركسترا الديوان الشرقي ــــ الغربي من تقديم الحفلات في بيروت وغزّة وحتى في طهران... ساعدونا!». في مقالته، دعا دوبوي السلطات الرسمية الفرنسية إلى العمل جدياً على الموضوع، وذلك لما لهذه الخطوة من أهميّة في تفعيل الحوار الثقافي، ومحاولة التوصّل إلى سلامٍ عادلٍ، بعدما أثبت الواقع أن لا حلّ عسكرياً للصراع العربي ــــ الإسرائيلي (على حدّ تعبيره). وهي مقولة قابلة للنقاش، طبعاً!
للغرب الأوروبي وغير الأوروبي أن يسعى إلى ما يشاء وكما يشاء إزاء الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك للعرب جمهوراً وحكومات. لكن علينا أن نكون، أقلّه، على معرفة بالأوركسترا التي هناك جهود حثيثة في المقلب الآخر لإرسالها إلينا، بعدما زارت رام الله (عام 2005، والحفلة متوافرة على «سي.دي» و«دي.في.دي»)، وكان مقرراً أن تقدم حفلةً خلال الصيف الماضي في العاصمة الأردنية، لكن الموعد أُلغِي لأسباب أمنية.
إنّها أوركسترا سيمفونية الحجم (نحو 80 عازفاً)، أسّسها عام 1999 بارنبويم مع صديقه إدوارد سعيد لتضمّ موسيقيين عرباً وإسرائيليين بهدف خلق فسحة تفاعل وحوار بين الجهتين من خلال الموسيقى. تضمّ من العرب لبنانيين ومصريين وأردنيين وسوريين (إضافة إلى موسيقيين إسبان). تجتمع صيفاً في مقرها الإسباني، حيث تجري التمارين على أعمال تقدّمها بعد ذلك في مختلف أنحاء العالم. عندما زارت رام الله، أدخِل جميع أعضائها إلى الضفة الغربية بجوازات سفر دبلوماسية (أمّنتها السفارة الإسبانية).
هذه هي باختصار هوية أوركسترا الديوان الشرقي ــــ الغربي، كما الهدف من تأسيسها وتاريخها وحاضرها. أما المسألة الأكثر الأهمية، أي زيارة بيروت، فتتركنا أمام حيرة وأسئلة كثيرة: دانيال بارنبويم الذي لا يعيش في الأراضي المحتلة، مُنِح الجنسية الفلسطينية من حكومة حماس في حزيران (يونيو) 2007، بسبب مواقفه الشرسة ضدّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بحقّ الفلسطينيين. يضاف إلى ذلك رابط الصداقة الذي جمعه بإدوارد سعيد في السنوات الأخيرة ونتج منه، كما أسلفنا، تأسيس «الديوان الشرقي ــــ الغربي». لكن المشكلة تبقى دخول عازفين إسرائيليّين من أعضاء الأوركسترا إلى بيروت (ولو بجوازات سفر دبلوماسية)... فإلى أيّ مدى يمكننا اليوم أن نقبل بمثل هذه الزيارة، ولو كان عرّابها الضمني هو... المفكّر الراحل إدوارد سعيد؟