القاهرة | الإجابة واضحة منذ دخولك معرض كريم حلمي (1984) «بقايا كائنات» (Suspended Destinies) في «غاليري مصر» في القاهرة. لن يدعك حلمي تخمن كثيراً. إنّه عالم يتزاوج فيه المال والسلطة، الشخصية الرأسمالية مع الشخصية القائدة. أدرك حلمي سطوة السلطة، عرف كيف يصورها ببراعة الفن ورهافة الشاعر. الكراسي تتوزع بصمت مهيب على معظم اللوحات. ليست كراسي مألوفة، بل وثيرة ترتبط دائماً بأصحاب النفوذ والزعامة. كراس ضخمة وشاهقة تطرح أسئلة عدة عن مفهومها ودلالتها في المخزون البصري والذاكرة الجمعية للمتلقيّ.

كذلك، يُمكن ملاحظة الأحذية التي تلمع بشدة في لوحات مثل KH17 (أكريليك على قماش ــ 50 x 50 سم ـ 2014) حيث يظهر الحذاء الرأسمالي/السلطوي الذي يضغط بعنف على أحد الأرجل الكادحة التي تطلّ من ثنايا اللوحة. على الأرض مجموعة من الأوراق الملوّنة والدفاتر المبعثرة في حالة يُرثى لها. ما الذي أراد أن يقوله حلمي: هل سحقت السلطة والرأسمالية أحلام الفنانين والبسطاء؟ الإجابة ليست بهذه البساطة على أي حال. في كل مرة، ثمة عراقيل تُوضع أمام المتلقي/ المشاهد تحجب عنه رؤية الصورة كاملة، كأن الفنان أراد أن يوشج تجربته بالغموض والرمزية.

في لوحة KH16 (أكريليك على قماش ــ 50 ×50 سنتم ــ 2014)، تبدو البرطمانات الزجاجيّة المغلقة والأظرف الفارغة وأكياس المستندات التي تُسحق تحت الأقدام في صراع دائم مع عقل المتلقّي الباطن كي تخبره في النهاية أنه لا يُوجد يقين في عالم يمتزج فيه المال بالسلطة. أصحاب المدن يعانون من هذه الثنائية طوال الوقت؛ حيث مركزية السلطة مع أصحاب الإدارة والمال، يقودون المشهد المرتبك في الحياة اليومية. الناقد ياسر منجي يرى أن تجربة حلمي ناضجة وصحيّة، مشيراً إلى أنّه يمارس ما يُمكن أن يطلق عليه «الانتقام الإبداعيّ». فكما تضّم لوحات مثل KH05 وKH06 (أكريليك على قماش ــ 150 × 90 سنتم ـــ 2014)، صورة لشخوص بالغة الفخامة والتأنق، فإنه في النهاية يطيح بالأذرع عمداً. الأذرع هنا معادل موضوعي للأذرع السلطوية النخبوية التي تحاول السيطرة على المشهد وتشويهه. لذلك قام هو بالإطاحة بها أولاً كي يشوّه تلك الحالة.
هذه الشخصية التي تحتال طوال الوقت لا يناسبها الفضاء العام. لذلك نجدها في أحد المطابخ القذرة؛ حيث موقد قديم وأسطوانة غاز والأواني الملقاة على الأرض في إهمال ورتابة. كذلك، هناك الصنبور القديم الذي يقبع في أحد أركان اللوحة، ويبدو عليه البؤس. الأوراق مكدّسة على مكاتب قديمة. وهذه الشخصية المحتالة توجد في أماكن رديئة وبالية كالانتظار أمام أحد الحمامات العامة، أو النوم على سرير مريب يشبه تلك الأسرّة في المصّحات النفسية. لكن تظل لوحة KH06 (أكريليك على قماش ــ 150 × 90 سنتم) إحدى العلامات البارزة في المعرض. حاول كريم حلمي من خلالها أن يختزل المزاج العام لتلك التجربة حيث شخصان يقفان ويديران الظهر إلى المتلقي ووسطهما رجل واحد نرى وجهه ويبدو عليه النفوذ والوقار. إنهما الحارسان، فليس عجباً أن تظل هذه الشخصية طوال الوقت على تلك الحالة من الخوف والبلادة بشأن المحيط العام. لكن هذه الشخصية تظهر دوماً محاطة بالأسياج والأسلاك الكهربائية وإشارات المرور كأنها تقول لذاتها: ممنوع الاقتراب أو التصوير. إنها بارعة في صنع الفخاخ كالسحرة، لذلك نجد الدخان يتصاعد من الأواني الملقاة على الأرض. في لوحات أخرى، نرى شخوصاً كئيبة ومنعزلة عن العالم الخارجي، يوفر لها الفنان الجو المناسب من العزلة والمرارة، فالقطة ترقد بصمت على أكوام الكتب، والخبز غطّاه العفن. من سؤال العزلة، ينتقل إلينا تدريجاً سؤال الاغتراب والتمادي فيه. يجنح حلمي إلى الرمزية، يأخذ من فيضها ويضيف إليها ملمحه الخاص. ليست هناك مباشرة في طرح الأسئلة اليومية حول تزاوج المال والسلطة. لديه حساسية شديدة في اختيار الألوان التي تتماشى مع الفضاء العام للوحات، فتلك العزلة تحتاج دوماً إلى الألوان التي تعزز ذلك المفهوم كالأسود والرمادي والبني المحترق. كما أن الدخان يغطي معظم أجزاء اللوحات، والزجاجات أيضاً حاضرة في كل الأعمال تقريباً، لكنها فارغة بلا قطرة شراب واحدة. وكما أن اللون الرمادي يؤكد في ثنايا اللوحات على الفراغ الذي في حياتنا، لا ينسى حلمي أن يمزج بين الألوان الترابية بدرجاتها الفتية كالأصفر والبرتقالي وبين الأزرق السماوي الذي يتيح قدراً من الأمل والأريحية في لوحة أخرى.
لا يتوانى حلمي في الإفصاح عن العالم المضطرب والهشّ الذي نعيشه. لذلك نجده يقوم بتثبيت مجموعة من الخطوط المائلة في أطراف اللوحات كأنما يريد البوح والصراخ نتيجة للخواء الذي يسكننا. ربما حاول أن يصور صراعنا الداخلي طوال الوقت كما في لوحة KH11 (أكريليك على قماش ــ 40 × 80 سنتم ـ 2014) التي ينذر فيها ميل الإناء بقرب حدوث لحظة انفجار مدوّية قد تنسف المشهد بكامله ولا تُبقي على أي شيء. إنها تلك الحالة بدواخلنا التي نحاول من خلالها أن نعيد ترتيب المشهد من دون فائدة تُذكر.

* «مصائر مؤجلة» لكريم حلمي: حتى 19 شباط (فبراير) ــ «غاليري مصر»، الزمالك. للاستعلام :0227350604