يمتلك الكاتب اللبناني الشاب نبرة سردية خاصة به. إنّه باحث ومؤرخ بارع. مبتكر حيوات وشخصيات. في «الاعترافات» (المركز الثقافي العربي) يؤكّد لنا أن موضوع الحرب لا يزال ممكناً ومغرياً! لكن شعوراً ينتاب القارئ، بأن كل ما يحدث مبرمج مسبقاً...


حسين بن حمزة
الحرب الأهلية حاضرة في كل سطر داخل رواية ربيع جابر الجديدة «الاعترافات» (المركز الثقافي العربي ــــ دار الآداب). كُتبت روايات عديدة عن الحرب، لكنّ هذا لم يقلّل من جاذبيتها حدثاً مفصلياً في التاريخ اللبناني. بعضهم يرى الحرب سبباً أساسياً لما سُمّي الولادة الثانية للرواية اللبنانية. قبل الحرب، كان الشعر يتسيّد المشهد الثقافي. الحرب لم تسهم في إنتاج رواية مختلفة فحسب، بل كسرت النبرات السائدة في الشعر أيضاً. صار لدينا شعر الحرب ورواية الحرب (وسينما الحرب). لعلّ تجربة ربيع جابر أفضل مثال في هذا السياق. فهو كتب عن الحرب وكان ابناً زمنياً لها. بمعنى أنّه نتاج الحرب شخصاً وكاتباً. بنى جابر عدداً من رواياته على ثيمة الحرب. وها هو يُلزم روايته الجديدة بها. كأنه يقول إنّ استثمار الحرب لا يزال ممكناً ومغرياً في آن.
الحرب هي بيئةُ رواية «الاعترافات» وخالقةُ كل تحوّلٍ في مصائر شخصياتها. والراوي مارون ــــ لكونه بطل الرواية أيضاً ــــ هو صاحب النصيب الأكبر من تأثيرات الحرب. يبدأ الراوي الحكاية من التحول الذي أصاب والده فيليكس: «أبي كان يخطف الناس ويقتلهم. أخي يقول إنّه رأى أبي يتحول في الحرب من شخص يعرفه إلى شخص لا يعرفه». القارئ سيكتشف لاحقاً أنّ انخراط الأب في عمليّات القتل، عائد إلى حادثة اختطاف ابنه الصغير مارون ومقتله على يد مسلحين من الطرف الآخر. الأب كان يعيش الحرب كأيّ مواطن عادي في بيروت الشرقية. موت ابنه حوَّله إلى قاتل. ثم يأتي حدثٌ يردعه ويوقف انتقامه. أثناء مشاركته مع رفاقه في قتل عائلة داخل سيارتها على أحد خطوط التماس. يموت أفراد العائلة كلهم ما عدا طفلاً في الخامسة يخرج من السيارة وهو ينزف من صدره. الأب يقرر إنقاذ الطفل. يسميه مارون على اسم ابنه المقتول. يصبح واحداً من العائلة. الجميع يتّفقون على إخفاء السر. يساعدهم في ذلك أنّ الطفل نفسه لا يتذكر شيئاً من حياته السابقة! يواصل الجميع حياتهم وكأنّهم استردوا فقيدهم. يتوقف الأب عن القتل. العثور على بديل لابنه يشفي غليله. يتحوّل إلى تربية العصافير.
في الصفحة الـ 30 من الرواية، نعرف أنّ الراوي هو الصبي الذي أنقذه الأب. يسمّي نفسه «مارون الثاني». الأب يموت. الأخ الأكبر إيليا يخبر الراوي بالحقيقة. بعد أن يكشف الراوي عن حقيقته، يواصل سرد الحكاية كأن شيئاً لم يتغير تقريباً. يخبر المؤلف بأنّه تابع حياته مع عائلته الجديدة. يتخرّج مهندساً في الجامعة الأميركية. تنتهي الرواية وهو يرى منامات عن عائلته الأصلية، مقلِّباً في ذهنهم، بين حين وآخر، فكرة أنّه عاش كشخص آخر.
يُضاعف ربيع جابر وظيفة الراوي، بجعل مارون يروي الحكاية له هو. هذه واحدة من حِيَل السرد الناجحة. مارون يحكي للمؤلف لا للقارئ كما هي العادة. في أحد المقاطع، يسمّي مارون المؤلف بالاسم: «إذا كتبتَ يوماً حياتي في كتاب يا ربيع أرجو أن تبدأ قصتي بهذه الجملة: قوّصوني على خط التماس الذي يقطع بيروت إلى نصفين عام 1976، وأبي حملني وأخذني إلى بيته». يحسّ القارئ بأنّ الرواية ينبغي أن تنطلق من هنا. أن تكون الرواية كلها قائمة على فكرة أن الراوي يحجب وراءه راوياً آخر، وأنّ هناك طبقات سرد مدفونة تحت القشرة السطحية للرواية. ولكن هذا لا يحصل.
في روايات ربيع جابر، لا في هذه الرواية فقط، غالباً ما يكون كل شيء منظماً. لا شيء خارج السيطرة. صاحب «يوسف الإنجليزي» لا يصغي كثيراً إلى هواجس القارئ وتوقّعاته. هل هذا مصدر إحساس القارئ بأنّ المادة الروائية تعيش وحدها، وأنّ المؤلف يُدير الشخصيات والأحداث عن بعد؟ ربما نعم، وربما لا. لكن القارئ غالباً ما يحس بأنّ المؤلف غير معني شخصياً بما يكتبه. إنّه باحث ومؤرخ بارع. مبتكر حيوات وشخصيات. يمتلك ربيع جابر نبرة سردية خاصة به. ولكن ثمة شيء ناقص. شيء غير قابل للتوصيف بدقة. كأنّ كل ما يحدث في روايته مبرمج مسبقاً. من النادر أن يُبطئ القارئ إيقاع قراءته أثناء قراءة الرواية لكي يتلذّذ بما يُروى له. هناك احترافية واضحة وقوية في ما تقرأه. هذه ميزة تُحسب لصاحب «البيت الأخير»، لكنك تشعر، في الوقت نفسه، بأنّ متانة ما تقرأه وحرفيته هما مشكلة هذه الكتابة أيضاً. سردٌ بهذه المواصفات، قادر على إيجاد الحلول لأي طارئ، ويمكن الاستمرار فيه إلى ما لا نهاية. الكلام يولد من الكلام. الوقائع تتدفّق كما لو أنها مرتجلة للتوّ. ولكن لماذا يبدو أن كل هذا يحتاج إلى لحم ودم، وأنه مركَّب وغير حقيقي، وأنّ هناك صانعاً ماهراً يشرف على ما يجري؟
لا يستطيع القارئ أن يهرب من الوقائع في شغل ربيع جابر. ثمة عناية فائقة بجعل كل شيء قابلاً للحدوث والتصديق. القارئ يبذل جهداً كبيراً في تجميع خيوط السرد، ولصق الحكايات الصغيرة داخل الحكاية الكبرى للرواية. ثمة ازدحام في هذا النوع من السرد. الحكايات تتداخل. الراوي نفسه يعترف أكثر من مرة بأنّ التفاصيل «تهجم عليه» ويطلب من المؤلف أن يجاريه في التقاط الأحداث التي تتسابق إلى ذهنه. قد لا يتفق كل قراء «الاعترافات» على هذه الملاحظات. في النهاية، لكل قارئ طريقته في التلقي. هذا ما تفعله الروايات بقرّائها عادةً.