خليل صويلح

تهدي سمر يزبك كتابها «جبل الزنابق» (دار المدى ــــ دمشق) إلى الجميلة النائمة دعد حداد، الشاعرة السورية التي كتبت حياتها على الورق بما يشبه الحلم، قبل أن تنتهي إلى الإهمال ومرض السكري والموت. في «حكي منامات»، وهو العنوان الفرعي للكتاب، تستعير الروائية السورية ذاكرة «أليس في بلاد العجائب» وتتجول في خريطة العالم على هواها، فتتحول إلى حبة فاصولياء في مقصورة خشبية، تحمل بيدها أوراقاً قديمة، وتقرر أن تسافر إلى الهند لتلتقي شاعرها طاغور، لكنّها ستفاجأ بأنّه يرتدي درع سلحفاة وجناحي كناري. وإذا بها تستيقظ على وجه أمها العابس. وفي منام آخر، تعودها صورة طاغور مرة أخرى على ضفاف الفرات «كان يطير في الهواء.. لحيته الطويلة البيضاء تتماوج مع الريح»، فتتبع الصبية حروف الشاعر التي تتحول إلى غيوم، لكن أمها المشغولة بصناعة المربى، تنتبه إلى أنّ الصبية تجلس فوق حرف الألف، فتنعتها بأنها «بنت قليلة التربية».
الأم في المنامات تقمع خيال الطفلة مثلها مثل مشرفي دروس التربية العسكرية. حورية البحر في منام آخر تتحول إلى سمكة ميتة أو إلى قطعة جليد تعوم في قاع بارد، وأفعى سوداء. كأنّ المنام حرية كاملة، يختلط خلالها ما هو سريالي بما هو كابوسي، لكنّ النصوص التي يضمها الكتاب تبدو كما لو أنها ذريعة سردية للملمة شتات أفكار وحكايات لم تكتمل، وطفولة موؤودة، لم تجد تعبيراتها إلا باقتحام الحلم لتعويض خسارات قديمة وألعاب مؤجلة في الحب والترحال وتمجيد الصورة المرئية.
هكذا تلتقي ميريل ستريب على «جسور ماديسون» لتشاركها الحكاية قبل أن يُلقى بصاحبة المنام خارج موقع التصوير، كما تتجول بين جدران المتاحف بصحبة لوحات غويا ودالي. وفجأة تلتقي السهروردي في فضاء المولوية، وتهيل التراب على قبر كازانتزاكس، وتزور فرجينيا وولف في غرفتها، وتسافر مع صوت فيروز، وإذا بالكمنجات تتطاير في الهواء كالزنابق، وتطاردها شخصيات روايتها «صلصال» برغبات لم تحققها لها في الرواية.
يبلّل الحبر معظم المنامات ليكتب شهوات الكاتبة ورغباتها المؤجلة في تسجيل شحنة وجدانية متفلتة من الأطر السردية، فليست هذه الشحنة مجرد مفتاح حكائي أو دفقة شعرية، بل هي مزيج من كل الأجناس الأدبية، لكنّ الأحلام في مجملها تخضع للحظة عقلية صارمة، تنسي القارئ أنّه أمام منامات حرّة يفرضها المنام وحده. هناك أنا الكاتبة التي توجه مسار الحلم ومقاصده وجمالياته وكوابيسه في محصلة لتراكم قراءات أدبية ومشاهدات سينمائية، تلح على ذاكرتها اليقظة غالباً، فتصطفي ما يروقها من عبارات وجمل ترى أنها مفصلية في حياتها «أنا في مرج من الكلمات، تصادفني بعض الصور لأشهر قراء التاريخ، فأتسلى فيها، وأنزلق إلى أمكنتها ثم أخرج. كان «القديس أوغسطين» ما زال يمسك بيدي، وأنا أردد العبارة نفسها عن رائحة الحب والشم. القراءة مفتاح العالم: إنّي أشم الحب، على بعد ألف كيلو متر».