يرصد الكاتب الفلسطيني علاء حليحل في روايته الجديدة «الأب والابن والروح التائهة» ديناميكية الرغبة. نحن في قرية فلسطينية قبيل اجتياحها حوالى عام 1909 حيث تتوالى الانكسارات حتى نهاية المطاف


نوال العلي
يختار الروائي الفلسطيني علاء حليلحل خاتمة شكسبيرية لشخوص روايته القصيرة «الأب والابن والروح التائهة» (دار العين ــــ القاهرة) ويبالغ متعمداً في رفع صوت التراجيدايا على نحو مسرحي في الخاتمة، بحيث تتزامن الانكسارات جميعها: موت العشيقة والزوجة وانهيار الشيخ علي والأب يوحنا، بل تحطم سقف المكتبة التي كلّف بناؤها غالياً، ثم اجتياح «الجنود اليهود» القرية الفلسطينية التي تدور فيها الأحداث.
وإن كان الموت هو جوهر الرغبة التي تحرّك الصراع القيمي العنيف المرصود في الرواية، لكنّ حقيقة عمل حليحل الروائي هي الضعف الإنساني مجرّداً من قوة وسلطة الدين أو المجتمع، ضعف يقارب الانهيارات وطبيعة النظام الاجتماعي الذي سبق وسهّل اجتياح المكان الفلسطيني.
ولتوضيح ذلك، نبدأ من حيث انتهى العمل بمشهد عاصف، جسد الأخت ماريا (عشيقة الشيخ علي السرّية) معلّقٌ على شجرة بعدما أضاءت شمعتين لم تطفئهما الريح وشنقت نفسها، يقابله المشيعون يحملون رفات عائشة (زوجة الشيخ علي) إلى المقبرة، أما «مجدوب» القرية ابراهيم فهو الوحيد الذي يستطيع أن يرى كل شيء في وقت واحد: الجثتان وقدوم السيارات الحربية المحمّلة بالجنود.
نحن أمام موتين متناقضين، يجمعهما الشيخ علي، انتحرت الأخت ماريا وهي معشوقة حبيبها ومنبوذة اجتماعياً، وماتت الزوجة عائشة مهجورة من زوجها ومقدَّرة اجتماعياً. ثمة تعاطف ومباركة جمعية لقيمة الصبر على الهجران الذي تجسّده عائشة، مثلما ثمة نبذ وتخلٍّ لقيمة الحب الذي جسّدته الأخت ماريا الغريبة عن القرية، والمتخليّة عن رهبانيتها بوقوعها في غرام الشيخ علي: «لن أعتذر لأحد أبداً، المجد لله وفي الناس المسرّة وأنا عشت في المسرّة...كما أمر الرب».
هذا الصراع الذي يتتبع صاحب رواية «السيرك» حراكه النفسي يتركنا متعاطفين مع الكلّ، من دون تغليب قيمة على أخرى، فالآثم والمقدس يسيران إلى المصير نفسه. وفي الواقع، تستند القصة في جانب كبير منها إلى منطق اللامعقول في الأحداث، حتى تبدو الغرائبية كأنها بطانة العمل نفسه. وربما لا تظل الأجواء مستهجنة إذا تنبهنا إلى أنّنا نتعامل مع نص لكاتب مسرحي أيضاًَ: نحن في قرية فلسطينية قبيل اجتياحها (الزمان غير محدد وإن كان ثمة ذكر لصحيفة «الكرمل» لنجيب نصار الصادرة عام 1909)، الأب يوحنا ينقطع عن الصلاة ويعيش أزمة وفاة والده مقهوراً بعد 25 عاماً من فرار زوجته مع عشيقها، الشيخ علي يحضِّر قدّاس الأحد ويبكي من موعظة الأب يوحنا ويعيش علاقة سرية مع الأخت ماريا، وهو في مونولوجه الداخلي يشك بزوجته عائشة أيضاً. الواقع أنّ كل هذه الأحداث ليس لها ما يبررها ويدعمها في سياق الرواية، فهي من حيث المنطق ضعيفة، حتى تبدو كأنها تحدث خارج زمانها وواقعية ظروفها. لكن حليحل يقنع قارئه بأنّه في مكان غامض يمكن لأي شيء أن يحدث.
يكتب حليحل (1974) بلغة مشدودة كالوتر وسرد مكتنز ومكثف تتخلّله حوارات تكشف ريفية المكان وسذاجة التفكير بين أهل القرية. إنّها كتابة معتنى بها جيداً، وصف الجنائز والمطر والطبيعة كل ذلك مكتوب بلغة تفصيلية محكمة وتعبيرية كأنها مشهد معدّ للتصوير: «عندما وصل الموكب الغفير إلى المقبرة، تراجع القوم ليصطفوا من حول الفستقية المبنية داخل سياج حديدي يرتفع عن الأرض بتواضع، ومن حوله العشب الأخضر».
ويعطي كاتب «قصص لأوقات الحاجة» فرصة الخطاب للجميع، ثمة مونولوجات داخلية ومشاهد تقترب من المونودراما لكل بطل على حدة، ليس ثمة حضور عابر لأحد، إنه كاتب يستغل كل الشخصيات كأنه يعصرها حتى آخر قطرة. متلمساً ــــ من خلال الارتكاز على الثقل النفسي لتلك الشخصيات ــــ حالة الزهد من أجل الرغبة التي تحدّث عنها الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار. إذ يتعرّض لحقيقة المتصوف الزاهد الذي ترتبط علاقته بالرب أو الله بانتكاسة جنسية أو عاطفية مادية سرعان ما يظهر أثرها لدى أوّل ارتطام بالواقع. من هنا يمكن القول إنّ «الأب والابن والروح التائهة» عمل يرصد ديناميكة الرغبة بامتياز، لولا أنّ القارئ يجد نفسه مضطرّاً لتبرير حشر القصة الفلسطينية في قلب العمل، من خلال مشهد أو اثنين لم يكن ثمة ما يسوّغ مرورهما.