حصاد الثقافة 2015 | لم تكن 2015 سنة عادية في الثقافة التونسية. انطلقت بتعيين امرأة يسارية وزيرة للثقافة للمرة الأولى في تاريخ وزارة الثقافة التي استُحدثت عام 1956 وفق مقاييس وزارة الثقافة الفرنسية التي كانت أول وزارة ثقافة في العالم. وقد جاء اختيار الجامعية المتخصّصة في التاريخ المعاصر والمناضلة النسوية لطيفة الأخضر رسالة قوية الى المثقفين والمبدعين بأنّه لا خيار أمام تونس إلاُ المضي في تثبيت مشروعها التنويري وتثبيته من خلال امرأة تأتي من خارج دائرة الحكم التقليدية. وهذا ما يعدّ دليلاً على أن اليسار التونسي الذي دفع الكثير من أجل الديمقراطية، لم يعد يساراً محتجاً وحالماً فقط، بل صار قادراً على الحكم أيضاً من خلال حقيبة الثقافة.

ولم يمر تعيين الأخضر المعروفة بدراساتها حول التصوّف والإسلام الطرقي بصمت. واجهت معارضة من الاسلاميين على اعتبار أنها شيوعية. كما عارض تعيينها عدد من كوادر الحزب الحاكم «نداء تونس» باعتبارها من خارج الحزب، لكنُها وجدت في المقابل مساندة قوية من المثقفين والمبدعين لما تتمتُع به من نظافة يد وعلم وتواضع جعلها لا تعبأ بالبروتوكول الوزاري وهو ما كان سبباً أساسياً في نجاحها.
هكذا بدأ العام الذي شهد عودة الفاضل الجعايبي ورفيقة دربه جليلة بكار بمسرحية «العنف» بعد غياب أربع سنوات. كما سجل المشهد التونسي عودة للفاضل الجزيري بعد غياب طويل عن الشاشة الكبيرة، إذ قدّم شريطاً جديداً «خسوف» يتوقُع أن يكون حدث العام الجديد عندما تبدأ عروضه في القاعات. وغير بعيد عن «خسوف»، سجُلت سنة 2015 انتعاشة السينما التونسية. للمرة الأولى، تسجّل السينما التونسية ولادة ستة أفلام روائية طويلة وهي «خسوف» للفاضل الجزيري، و«الزيارة» لنضال شطا، و«على حلة عيني» لليلى بوزيد، و«قصر الدّهشة» لمختار العجيمي، و«عزيز روحو» لسنية الشامخي، و«شبابك الجنة» لفارس نعناع.
ولكن العام الذي نودُعه كان عاماً للرحيل الكبير. فقدت فيه الثقافة التونسية مجموعة من الأعلام مثل محمد اليعلاوي عميد كلية الآداب وأحد مؤسسي الجامعة التونسية ووزير الثقافة أواخر السبعينيات، والفنان التشكيلي الكبير محمود السهيلي، والمسرحي عزالدين قنون، والمسرحي والنجم السينمائي أحمد السنوسي، والمسرحي يحيى يحيى، ونجمة الفن الشعبي فاطمة بوساحة التي أسّست لنسخة عربية شعبية من فن الريغي، وشهدت سنة 2015 إصابة الشاعر الأشهر في تونس أولاد أحمد بمرض السرطان وكان خلال عام كامل محل حفاوة رسمية وشعبية بين تونس وباريس وجنيف.
وتواصلت الحرب التي يقودها المثقفون على الأرهاب بعدما أسّسوا ائتلافاً لمقاومة الارهاب بمبادرة من كلية الآداب والفنون والإنسانيات في منوبة. وبدأ الائتلاف بتنظيم ندوات وفعاليات ثقافية وفكرية. كما شهد العام للمرة الأولى انتخابات في مؤسسة «بيت الحكمة» (أكاديمية الفنون والعلوم والآداب) حيث تم انتخاب الدكتور عبد المجيد الشرفي خلفاً للدكتور هشام جعيط.
سنة 2015 شهدت أيضاً للمرة الأولى تنظيم «أيّام قرطاج المسرحية» و«أيّام قرطاج السينمائية» في العام نفسه، بعدما كانت التظاهرتان تنظّمان بالتداول عاماً بعام. وقد نجحت التجربة الى أبعد الحدود، بخاصة في مستوى الانفتاح على الفضاء المدرسي والجامعي. وفي المقابل لم تسجل حركة النشر كتباً لافتة باستثناء الحفاوة التي لقيتها رواية «الطلياني» لشكري المبخوت الصادرة العام الماضي وحازت هذه السنة على مجموعة من الجوائز من بينها «بوكر».