حصاد الثقافة 2015 | بدأ عام 2015 بحُمى الاعترافات بـ «دولة فلسطين» وانعكست الحُمى على المشهد الثقافي، بين معسكر ظل يصفق لهذه الاعترافات، وآخر بدا متمسكاً بحقوقه الوطنية رافضاً وساخراً من «الدولة». وبينما أمعن المشهد السياسي في انحداره وفشله من دون بصيص أمل، قابله مشهد ثقافي متذبذب ونشط في الوقت عينه.

2015 كان سينمائياً بامتياز. تجارب أولى في الإخراج فاجأت أصحابها قبل أن تفاجئ الفلسطينيين وتجول في مهرجانات العالم مسجلة حضوراً مهماً. شاهدنا أفلاماً ذكية ساخرة متحررة من الكليشيهات والرسائل المباشرة، لجيل جديد يبدو كأنه سيسحب البساط من جيل أقدم ظل متصدراً المشهد السينمائي لسنوات، من تلك الأفلام: «المطلوبون الـ 18» لعامر شوملي، «روشيما» لسليم أبو جبل، «ديغراديه» للأخوين عرب وطرزان ناصر، «أنا والعروسة» لخالد الناصري، «حب وسرقة وأشياء أخرى» لمؤيد عليان. كما برزت أفلام أخرى لمخرجين ذوي تجارب سابقة منها «يا طير الطاير» لهاني أبو أسعد، و«3000 ليلة» لمي المصري، وعاد نصري حجاج ليخرج فيلمه الثالث «الحقل القرمزي».
ومقارنة بالأعوام الماضية، سجَّلت الموسيقى حضوراً لافتاً، فسمعنا إنتاجات لتجارب جديدة واعدة، معظمها من إنتاج الموسيقي والمنتج سامر جردات من خلال مشروعه «عبور» منها: ألبوم «الطابق الرابع» لعازف الكلارينيت محمد نجم، و«زهر اللوز» للفنانة تيرز يزن وفرقتها، و«قصتنا» لفرقة «هوا دافي» من الجولان المحتل. كما برز اسم المؤلفة وعازفة البيانو دينا الشلة التي قدمت عروضاً ناجحة في باريس، وظلَّ جوان صفدي محافظاً على مشاكساته الموسيقية بأغنيات جديدة. وسيطرت أجواء الانتفاضة على الحياة العامة في الأشهر الأخيرة: بادر محمود عوض (صاحب تجربة يلالان) وسامر جردات إلى تكوين فرقة «كورال الثورة» التي أقامت عروضاً عدة ناجحة استعادت فيها أغنيات الثورة والانتفاضة، بينما سجل الراب تراجعاً ملحوظاً بعدما كان في الواجهة لسنوات.
حال المسرح كان متخبطاً. أقفل «مسرح القصبة» واقتصر عمله على تأجير قاعته بعد إضراب موظفيه لعدم حصولهم على رواتبهم. ونتيجة سوء الإدارة وتراكم الديون واستهداف الاحتلال، عصفت أزمة مالية بـ «مسرح الحكواتي» في القدس كادت أن تعرضه للمصادرة، بينما شهدنا ولادة واعدة لـ «مسرح خشبة» في مدينة حيفا.

أزمة مالية في «مسرح الحكواتي» في القدس، وولادة واعدة لـ «مسرح خشبة» في حيفا

أما بخصوص الأدب، فمن العناوين التي صدرت في الشعر: «علندى» لزكريا محمد، و«كما ولدتني الّلدية» لأسماء عزايزة، و«كوكب منسي» لسمر عبد الجابر. وفي الرواية، صدر لغسان زقطان «حيث اختفى الطائر» ولعباد يحيى «هاتف عمومي»، وصدر لرائد وحش كتاب سردي حمل عنوان «قطعة ناقصة من سماء دمشق». ومع نهاية العام، بدا المشهد شاحباً برحيل الشاعر جهاد هديب في عمّان من ناحية، وبالتعامل المخجل مع قضية الشاعر أشرف فياض المحكوم بالإعدام من قبل النظام السعودي، إذ اقتصر الأمر على لقاء تضامني باهت في «متحف محمود درويش» من دون أي ضغوط أو تحركات جدية!
اللافت هذا العام هو تقليص التمويل الغربي للمؤسسات الأهلية، و«رب ضارة نافعة» جعلت الفنانين يتجهون إلى البحث عن مصادر جديدة تمثلت في حملات التمويل المجتمعي على الإنترنت. بدأت مهرجانات وانتهت كأنها لم تبدأ، وبرزت بعض الفعاليات الفلسطينية خارج الأرض المحتلة منها «الأيام الشعرية الفلسطينية» التي أقيمت بتنظيم من «المركز الثقافي الفرنسي الفلسطيني» الذي نجح أيضاً في تنظيم النسخة الأولى من مهرجان «الفن الفلسطيني المعاصر» في باريس.
نصيب غزة من المشهد كان متواضعاً، لأسباب كثيرة في مقدمتها حصار الاحتلال والإغلاق المصري للمعبر وتضييق حكومة حماس. مع ذلك، شهدت المدينة بعض الفعاليات، أبرزها مهرجان «السجادة الحمراء ـ كرامة غزة» لأفلام حقوق الإنسان، الذي أقيم في حي الشجاعية بين الأنقاض التي خلَّفها العدوان الإسرائيلي.
الفنون التشكيلية حافظت على نشاطها: هاني زعرب خرج بمعرض لافت بعنوان «حب بجودة منخفضة» احتضنته قاعة «بيرلوني» في لندن، شادي الزقزوق سجل موقفاً بحجب أعماله من معرض نظمه الفنان البريطاني بانكسي في مدينة بريستول بعدما اكتشف مشاركة فنانين إسرائيليين فيه، وطالعنا معارض عدة لفنانين منهم الأخوان منذر وإبراهيم جوابرة، تيسير البطنيجي، بشار حروب، نورس شلهوب، أسامة دياب، ستيف سابيلا، ورنا بشارة التي رأيناها في مقاطع فيديو تشتبك بجسارة مع جيش الاحتلال في بيت جالا. وظل موضوع المقاطعة مشتداً طوال العام، لكنه لم يمنع بعض الأسماء ـ لا ضرورة لذكرها باتت معروفة ـ من الإصرار على التطبيع.
ختام العام كان مع المرسوم الرئاسي الذي عزل مجلس أمناء «مؤسسة محمود درويش» لتتفاعل القضية ويستجيب لها مثقفون عديدون طالبوا بإلغاء القرار. المفارقة أن المجلس نفسه كان قد عُين بمرسوم رئاسي بعد رحيل الشاعر عام 2008 أيضاً، فالرئيس أعطى والرئيس أخذ!