حصاد الثقافة 2015 | كنا نشكو في السنوات الأخيرة من الظروف الأمنية والتفجيرات التي كانت تقضم جزءاً من الأجندة الثقافية السنوية، فيُلغى بعضها ويُختصر بعضها الآخر. ثم بدأنا نحظى بسنة كاملة من الأحداث والمعارض والإصدارات، فاعتبرنا ذلك كافياً طالما أنّ كل شيء يحدث في وقته، ويجد جمهوراً وتغطيات. لكن ما الذي يحدث فعلاً في ما يحدث ويتكرر؟ وما هي الطموحات التي تنجزها هذه الأحداث والأنشطة؟

لقد نسينا في غمرة غبطتنا بازدحام هذه الأنشطة، أن نقول إننا منذ فترة لا نُفاجأ بشيء جديد وجريء فيها، وفيما عدا بعض المواعيد الثمينة، فإن ما يطبع المدينة حالياً يتغذى على اسمها الذي يحمل احتياطياً أكثر ثقلاً وأهمية مما يحدث فيها.
المدينة التي عادت بعد توقف الحرب عبر منصتي «مسرح بيروت»، و«مسرح المدينة»، فقدت المسرح الأول بعد إقفاله، وفقدت الثاني بتقلص برمجته السنوية الخصبة والمتنوعة إلى أحداث ومناسبات معدودة ومتباعدة، بينما المسارح الأخرى الباقية لا تسمح أوضاعها ببرمجة منتظمة. لم نعد نشاهد عروضاً عربية وأجنبية. أما المسرح المحلي نفسه، فشهد تراجعاً كبيراً، وإن عاد هذا العام بعروض مميزة. المسرح هو العلامة الفارقة وتيرموميتر ثقافة المدينة لناحية العلاقة مع جمهور متنوع الاهتمامات والممارسات. وبهذا المعنى، تبدو بيروت، رغم عجقة روزنامتها الثقافية، مدينة مشتتة ومنقطعة عن بعضها، بينما تساهم الانقسامات السياسية الحادة في صفوف المثقفين والنُّخب أنفسهم في تعزيز جانب من هذا الانطباع.
داخل هذه الصورة التي تكاد تكون متكررة سنوياً، نكرر نحن أيضاً ما نسميه حصاداً ثقافياً أو جردة موسمية، في انتظار أن نفتح نقاشاً حقيقياً وموسعاً عن حال هذه العاصمة العجيبة التي تأكل من اسمها وتتآكل في الوقت نفسه، وتظل حية ونابضة ومختلفة عن محيطها. كأن ما يحدث هو جزء من روح هذه المدينة ومن «موهبتها» في تظهير الممارسات الثقافية حتى في الظروف والأحوال غير المؤاتية، إذْ سرعان ما تدخل هذه الأحوال ذاتها في سياقات فنية وأدبية، وتجد لنفسها تعبيرات في نتاجات عديدة.
نبدأ السنة من حيث انتهت. أقيمت الأنشطة في مواعيدها آخرها النسخة الـ 59 لـ «معرض بيروت العربي والدولي للكتاب»، وقبله «معرض الكتاب الفرنكفوني»، وقبلهما «معرض الحركة الثقافية – انطلياس». وشهدنا نسخة جديدة من «أيام بيروت السينمائية»، ومن «مهرجان بيروت الدولي للسينما»، بينما واظبت «متروبوليس» عروضها السينمائية المميزة على مدار العام، بينها مهرجان «شاشات الواقع»، و«أسبوع النقاد»، وVideo Works. وانعقد «مهرجان الفيلم العربي القصير» في «مسرح المدينة». وشهد 2015 عروضاً لأفلام لبنانية، منها «الوادي» لغسان سلهب، و«فيلم كتير كبير» للمخرج ميرجان بو شعيا الذي حصد الجائزة الأولى لمهرجان «مراكش»، و«يلا عقبالكن» لإيلي خليفة، و«ترويقة في بيروت» لفرح الهاشم.
وأقيمت مهرجانات الصيف في بعلبك وبيت الدين وبيبلوس وغيرها في مواعيدها أيضاً، واختلطت فيها عروض أجنبية مع حضور عربي ولبناني، منها عرض «إلك يا بعلبك» الذي أخرجه نبيل الأظن بناء على نصوص شعرية لبنانية وعربية. وشهدت السنة نسخة جديدة من عروض «أشغال داخلية» لكريستين طعمة، و«مهرجان البستان» الموسيقي، و«مهرجان صور الموسيقي الدولي»، إلى جانب حفلات لزياد الرحباني، وشربل روحانا، وخالد الهبر، وريان الهبر، وريما خشيش، وسامي حواط، وياسمين حمدان، وزياد سحاب مع أحمد حويلي، وأميمة الخليل مع مروان مخول، وحفلة لـ «مشروع ليلى»، و«الثلاثي جبران».

رحيل ريمون جبارة، وغازي قهوجي، وغريغوار حداد

واكتظت صالات الفن التشكيلي بتجارب الأجيال السابقة مع تجارب الشبان والفنون المعاصرة، ونذكر من هذه المعارض: حليم جرداق وريم الجندي وجميل ملاعب وهوغيت كالان في غاليري «جانين ربيز»، ومحمد سعيد بعلبكي وتغريد دارغوث وعبد الرحمن قطناني في «أجيال»، وسيمون فتال وفادي يازجي في «تانيت»، وياسر صافي في «مارك هاشم»، وأسماء فيومي ونهاد الترك في «أيام».
وعلى خلاف الأعوام الأخيرة، ورغم ضعف البرمجة السنوية، شهدت السنة عروضاً مسرحية مميزة منها: «فخامة الرئيس» لجلال خوري، «وحشة» لرفيق علي أحمد، «ألاقي فين زيك يا علي» للينا أبيض ورائدة طه، و«أنشودة الفرح» لربيع مروة ولينا مجلاني ومنال خضر، و«الست نجاح والمفتاح» لعايدة صبرا، و«بستان الكرز» لكارلوس شاهين، و«بيروت فوق الشجرة» ليحيى جابر. ولا ننسى هنا عروض «الكباريه» المستمرة لـ «ميترو المدينة». وفي مواعيد أخرى متنوعة، عادت مجلة «السمندل» بعد توقف، وانعقد مهرجان «فوتوميد»، ومهرجان «مشكال»، ومهرجان «ربيع بيروت».
وفي عالم النشر، لا تزال بيروت تحتفظ بلقب «عاصمة النشر العربي»، وشهد هذا العام إصدارات لأسماء من أجيال مختلفة، فصدرت رواية «نقّل فؤادك» لحسن داوود الذي فاز بجائزة «نجيب محفوظ» عن رواية سابقة له، وصدرت «أولاد الغيتو» لإلياس خوري، و«ألواح» لرشيد الضعيف، و«خمسون غرام من الجنة» لإيمان حميدان، و«خريف البراءة» لعباس بيضون، ومجموعة قصصية بعنوان «نكات للمسلحين» لمازن معروف. ونشرت مجموعات شعرية منها: «أعمال الكتابة» لمحمد العبدالله، و«إلى أين تأخذني أيها الشعر» لشوقي بزيع، و«في فم الغراب» ليوسف بزي، و«الأعمال الشعرية» لاسكندر حبش. وصدرت أعمال أخرى منها: «جنوب اليمن في حكم اليسار» لفواز طرابلسي، و«دفتر الفسبكة الثاني» لأحمد بيضون، و«حوارات خليل حاوي» لريتا عوض، و«نزيه خاطر/ جمهورية الأعداء» لنادين أبو زكي.
وأخيراً، شهدت السنة رحيل المخرج ريمون جبارة، والكاتب والفنان غازي قهوجي، ومطران العلمانية والتنوير غريغوار حداد، بينما اختُتمت بخسارة من نوع آخر بتوقف ملحق «نوافذ» و«ملحق النهار» عن الصدور.