حصاد الثقافة 2015 | لا يمكن وصف 2015 إلا بعام الحزن في الثقافة المصرية التي فقدت مجموعة من الأسماء الكبيرة التي كانت جزءاً من قوتها الناعمة. ومن أبرز هؤلاء شاعر العامية الكبير عبد الرحمن الأبنودي، والروائيون جمال الغيطاني وإدوار الخراط وفؤاد قنديل، والكاتب والمترجم خليل كلفت، والكاتب المسرحي علي سالم. ولعل السمة التي تجمع بين كل هؤلاء أنّهم جاؤوا من خلفية نضالية وانتماء إلى مختلف فصائل العمل الوطني. وباستثناء قنديل وعلي سالم، فقد انخرط هؤلاء جميعاً في تنظيمات يسارية ناهضت الحكم الناصري رغم الاعتراف بالتوجه الوطني لجمال عبد الناصر. وباستثناء علي سالم الذي بدأ كاتباً مسرحياً طليعياً، فقد كانوا جميعاً من مناهضي عملية التطبيع مع اسرائيل والصيغة التي أوجدتها اتفاقية كامب ديفيد لتسوية الصراع العربي الاسرائيلي.

وباستثناء أناشيد الفقد، لم تشهد الثقافة المصرية تغييرات على صعيد السياسات الثقافية رغم أنّ 2015 أظهرت ثلاثة أسماء على مقعد وزير الثقافة. فقد بدأت بمغادرة الوزير الإشكالي جابر عصفور لموقعه في آذار (مارس) 2015 في قرار وصف بأنّه «ترضية للتيار السلفي المحافظ داخل مؤسسة الأزهر الذي لم يقبل بسياسات عصفور الذي لم يخف رغبته في مواجهة هذا التيار». تفسير وجد قبولاً عقب تعيين الدكتور عبد الواحد النبوي في المنصب نفسه، وهو أحد المدرّسين في «جامعة الأزهر». الاختيار قوبل بـ «توجس» من الجماعة الثقافية التي اتسمت علاقتها مع الوزير الجديد بـ «التوتر المتبادل» طوال ستة أشهر شغل فيها منصبه. فترة أنفقها كلها في إجراء تغييرات في مواقع قيادية داخل وزارته، لم تكن موضع قبول لغالبية الأسماء الفاعلة في المشهد الثقافي المصري. وازداد هذا الرفض مع إطاحة هذه التغييرات بأسماء فاعلة مثل الدكاترة محمد عفيفي أمين عام «المجلس الأعلى للثقافة»، والدكتور أحمد مجاهد رئيس «هيئة الكتاب»، والدكتور أنور مغيث مدير «مركز الترجمة».

هجوم على حلمي النمنم بسبب تمسكه بالتوجه المدني العلماني للوزارة
وبينما وصف مؤيدو النبوي تلك القرارات بأنّها وسيلة للخلاص من بقايا إرث فاروق حسني وجابر عصفور في الوزارة، رأى الفريق المناهض أنّها وسيلة للخلاص من كوادر خبيرة في العمل الثقافي وذات توجه مستنير. والحاصل أنّ قرارات النبوي وجدت معارضة شديدة من الأسماء التي لعبت دوراً مؤثراً في اعتصام المثقفين الذي سبق أحداث «30 يونيو» 2013 التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين في مصر. هذه الأسماء التي تحولت إلى مركز قوة في المشهد الثقافي، دعت صراحة إلى إقالة النبوي الذي أعفي من منصبه وحل محله الصحافي حلمي النمنم. الأخير سبق أن شغل مناصب قيادية عدة في وزارة الثقافة وأصدر العديد من المؤلفات المناهضة للتيارات السلفية وفصائل الإسلام السياسي التي انتقدت تعيين النمنم في بيانات رسمية وتصريحات لرموز سلفية بارزة مثل ياسر برهامي. لكن هذه المواجهات بدت كآلية للصراع على أصوات الناخبين قبل انتخابات البرلمان المصري التي جرت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. وقد خفّت حدتها تدريجاً مع إعادة رسم المشهد السياسي. لكنها في المقابل أحدثت التفافاً من المثقفين حول النمنم الذي بدا مستهدفاً من القوى المحافظة بعد إعلان تمسكه بالتوجه المدني العلماني للوزارة. أمر انعكس على أغلب قراراته، فقد عاد أنور مغيث إلى موقعه مديراً للمركز القومي للترجمة. وسعى الوزير الى تمكين النساء من مواقع قيادية أبرزها تعيين أمل الصبان أمينة عامة للمجلس الأعلى للثقافة وهو المنصب الأكثر تأثيراً في الوزارة، الى جانب تعيين الأكاديمي الشاب هيثم الحاج علي رئيساً لهيئة الكتاب بينما تولى أبو الفضل بدران ــ الذي عينه النبوي أميناً عاماً للمجلس ـ منصب رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة. كما تم تعيين الفنان خالد سرور رئيساً لقطاع الفنون التشكيلية وشريف شاهين رئيساً لدار الكتب والوثائق. ولم تشهد بقية قطاعات وزارة الثقافة تغييرات أخرى، واستمرت إيناس عبد الدايم في منصبها رئيسةً لدار الأوبرا المصرية، والمهندس محمد أبو سعدة رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وأحلام يونس رئيسة لأكاديمية الفنون.
وبعيداً عن التغييرات الإدارية التي جاءت بهدف تسيير العمل، لم يحدث تغيير ملموس في السياسات الثقافية على مستوى استراتيجيات العمل في الوزارة التي لا تزال منهكة من ترهلات ادارية جمة وتوترات تاريخية بشأن علاقتها مع الجماعة الثقافية التي تعاني بدورها من الانقسام وشتى صور الاستقطاب.