تواصل «متروبوليس» تقديم بعض كنوز «أسبوعي المخرجين» للجمهور اللبناني. نشاهد اليوم «شرق بوخاريست» لكورنيليو بورومبو الذي يستعيد فيه الثورة الرومانية عام 1989. ويُعرض غداً «يابان» لكارلوس ريغاداس الذي حاز جوائز عدّة


علي زراقط
المشاهدون الذين حضروا إلى «سينما صوفيل» الثلاثاء الفائت، وشاهدوا الشريط الوثائقي «40x 15» لأوليفيه جاهان عن أربعين سنة على ولادة تظاهرة «أسبوعي المخرجين»، خرجوا برأس ممتلئة بأسماء لا تنسى. وهذا الفيلم استعادته سينما «متروبوليس» مع أعمال أخرى مرّت في تاريخ هذه التظاهرة الأساسيّة في «مهرجان كان». فهنا، برزت أسماء مخرجين شباب سرعان ما احتلوا مكانةً بارزة فوق الخريطة السينمائية في العالم، وهذه التظاهرة وُلدت مناضلة في البدء، ونبتت على ضفاف حركة أيار 68 في فرنسا. بالإضافة إلى هذا الوثائقي، عرض المهرجان الذي يستمر حتى 21 الشهر الحالي سبعة أفلام، من أصل 12.
نبدأ من الزبدة، مع «فوكس وأصدقاؤه» (1974) لراينر ورنر فاسبندر، هذا المخرج الألماني الآتي إلى السينما من باب الجماليات الغارقة في الفبركة. يرسم فاسبندر أيقونات اجتماعية كي تبقى في الذاكرة. بين الفقر والعوز، الجشع، الصداقة والخيانة، يمشي «فوكس» (الشخصية الرئيسية) في ما يشبه الرحلة ليلتقي بكثيرين. يلتقي بالناس كما لو كان يلتقي بكنبة. كي نفهم فاسبندر، علينا أن نفهم كيف تتحوّل الأجساد البشرية عنده إلى أشياء. هذه الإشارة تنطبق تماماً على «فوكس وأخواته» حيث الشخصيات تحضر كأنّها أحداث، كأنها قدر بلا مبررات، وبشكل قاسٍ، تتحوّل إلى ما يشبه أيقونات تجسّد كراهية للبشرية. يروي الفيلم قصة بيتر (فاسبندر نفسه) الشاب الفقير الذي يفوز باللوتو، فيدخل المجتمع المخملي بانبهار وطيبة قلب. إلا أنّ هذا المجتمع لا يلبث أن يريه كل أشكال الذل، والسخرية، قبل أن يخدعه أصدقاؤه الجدد فيخسر أمواله كلّها.
على النقيض من فاسبندر، يأخذنا المعلّم روبرت بروسون في «الشيطان، على الأرجح» (1977) مع بطل الفيلم لتفكيك شخصيّته التي تعيش تناقضاً مع المجتمع المحيط به. شارل الشاب العشريني الناشط سياسياً، يرى نفسه معزولاً عن محيطه. وعلى رغم حياته الصاخبة ومغامراته وسهراته، يرى نفسه عاجزاً عن التواصل. هذا الأمر يدفعه إلى الانتحار. يبدأ الفيلم بخبر الانتحار. بروسون لا يريد أن يشوّقنا، يريدنا أن نرى شخصيّته خلال الأشهر الستة الأخيرة من حياته التي توصله إلى قرار الانتحار. بين نقد السياسة، المجتمع، والدين، أكثر ما يهمّ المخرج والمنظر السينمائي هو العمل على تفكيك شخصياته تماماً كما يعمل العالِم. بروسون لا يتعاطف مع الشخصيات، هو يعرضها لنا فقط، ويعرض زمنها ببرودة تقارب التشفّي. نرى ألم الرجل لكننا لا نستطيع أن نتعاطف معه. هو إحساس مغرق في القسوة. لم يهتم بروسون يوماً بالتشويق والإثارة. وإذا احتاج إلى أن يروي حدثاً، يجعل إحدى الشخصيات تقوله. شارل الشخصية الرئيسة في الفيلم يذهب إلى محلل نفسي، فيكتشف أنّ مشكلته أنه يرى الأشياء بوضوح كبير. كذلك هي سينما بروسون، وهذا الفيلم بالتحديد، ليس هناك غموض مثير، فالأشياء في الفيلم واضحة ومحددة. يصرّ بروسون على أن تكون أفلامه ذات وحدة سينمائية. أي أن تكون متصلة بلا انقطاع، تماماً كما الزمن السينمائي الذي يجري، ويندر أن ترى مشهداً منفصلاً وتفهمه من دون أن تصله بكل المشاهد التي سبقته، وبكل المشاهد التي تليه.
تستمر عروض «متروبوليس»، ونشاهد اليوم «شرق بوخاريست» لكورنيليو بورومبو الذي يستعيد فيه الثورة الرومانية عام 1989. بينما يُعرض غداً «يابان» لكارلوس ريغاداس الذي حاز جوائز عدّة. وفي 17 نشاهد فيلم اريك خو «كن معي» ثم فيلم دانييل عربيد «رجل ضائع» (18). وننتظر Tarnation الذي يختتم المهرجان (21 سبتمبر)، وهو الفيلم الأول للمخرج الأميركي جوناثان كاوات الذي يستخدم تقنيات الفيديو المنزلي VHS والتوليف الذي يشبه توليف الأعراس. ويستعيد فيه حياته الممزقة بين ميوله المثلية، وعلاقته بأمه المريضة. فيلم يبرهن عن بدء تأثير الفيديو في السينما لتحويلها إلى فن فردي، بمعنى أن يصير فناً مرتبطاً مباشرةً بصانعه. الفيلم مهمّ للمخرجين اللبنانيين الباحثين عن أساليب جديدة تتناسب مع القدرات الإنتاجية الضعيفة في لبنان.



«أسبوعا المخرجين» ــــ حتى 21 أيلول (سبتمبر) الحالي ــــ «أمبير صوفيل». للاستعلام: 01/204080