ثلاثية ملفيل – ديلون التي يستعيدها «المعهد الفرنسي» في مصر تحيل على حيثيات كثيرة. المعلم الفرنسي جان بيار ملفيل (1917 ـ 1973)، يبرع دائماً في صنع فيلم الجريمة الأسود وفق عوالمه. نحن بصدد كثير من المعاطف والقبعات ودخان المسدسات والنساء الجميلات. المجرم الكاريزماتي مقابل مفتش الشرطة الصارم أو محبّ القطط. العصابات التي «تفعل ما يجب فعله» بدم بارد. الوقفة الجامدة أمام المرآة، ثم إلقاء نظرة أخيرة على الغرفة قبل المغادرة. الهوس بالأكسسوارات التي أسهمت في تشكيل العالم الملفيلي على الشاشة. الأصول تعود إلى ثلاثينيات السينما الأميركية وأربعينياتها.


لا يمكن إغفال أثر جون فورد وهاورد هوكس وجولز داسن في سينماه. الكوكا كولا والراديو جزء من مكوّنات ثقافة تأثّر بها «جان بيار غرومباخ» لأسباب فنيّة ووطنيّة. لقد قرّر الاحتفاظ بلقب «ملفيل» الذي اختاره أيام المقاومة الفرنسية، تيمناً بكاتبه المفضّل الأميركي هيرمان ملفيل.

صنع فيلم الجريمة
الأسود وفق عوالمه
بعد سنوات الحرب، حلّق بشكل مستقل. مزج كل الخلفية بما تسرّب إليه من أيقونة رينوار الملهمة «الوهم العظيم» (1937)، لينقلب على النوعية السائدة آنذاك. بدأ بإنتاجات متواضعة وسيناريوات مغايرة وطرق عمل «اضطرارية». خرج بالكاميرا إلى الأماكن الحقيقية، ليصبح معبود نقاد «دفاتر السينما»، أبرزهم تروفو ولوي مال وغودار. هذا الأخير أداره كممثل في تحفته «مقطوع النفس» (1960)، وأخذ بنصيحته في التوليف، فتعرّف العالم إلى الـ Jump cut. لاحقاً، ابتعد «عرّاب الموجة الجديدة» عنها نحو الستايل الأميركي في صناعة التشويق البوليسي، خالقاً فيلمه الأسود الخاصFilm noir. في ثلاثيته مع آلان ديلون، قدّم هذا الأخير بشكل «خشن». يمكن هذا الرومانسي الحالم أن يصبح عنيفاً عندما يتطلّب الأمر. القاتل المأجور جيف كاستيلو في «الساموراي» (1967 – 16/2) ليس كأيّ مجرم آخر. هو بارد، انعزالي، ودقيق. ساموراي معاصر من دون خلفية واضحة أو دوافع ملموسة. مترو باريس متاهة يجيد كاستيلو تسخيرها لتضليل من يريد. «كوري» في «الدائرة الحمراء» (1970 ـ 17/2)، لص أرستقراطي يتحالف مع آخر للسطو على محل مجوهرات. عملية سطو يتفنّن ملفيل في استعراض تفاصيلها على الشاشة. شريط كلاسيكي آخر في سجل ملفيل الذهبي. الفيلم الثالث «الشرطي» (1972- 18/2، يسبقه عرض الفيلم القصير «41 يوم» لأحمد عبد العزيز) ختم فيلموغرافيا الأستاذ، قبل رحيله المبكر بنوبة قلبية. المفتش إدوارد كولمان يسعى إلى الإيقاع بعصابة شرسة. في الوقت نفسه، يقيم علاقة مع عشيقة صديقه الغامض. لم يكن أداء ديلون بجودة الفيلمين السابقين، إلا أنّ سحر التباين اللوني الذي حققه ملفيل تكفّل بالباقي. الخفوت الضوئي أدّى المطلوب في السبر النفسي لعاصمة مثل باريس. السينماتوغرافيا المعاكسة لـ«الساموراي» في استعراض ألوان المدينة. بشكل أو بآخر، يكمّل الشرطي والمجرم، الطيّب والشرير، بعضهما ليصبحا واحداً: «كلّهم مذنبون حتى رجال الشرطة». هكذا، تبدو سيطرة ملفيل المطلقة على آلية الصناعة. يوظّف أصغر أكسسوار لإيصال ما يريد. يلجأ إلى الأسماء المناسبة في السينماتوغرافيا والتوليف والكتابة إذا اقتضى الأمر. إعادة اكتشافه تمنحه مزيداً من التقدير والرفعة، حتى لو جانبته الجوائز الكبيرة. آثاره الأصيلة بادية في سينما الكبار. مارتن سكورسيزي وكوينتن تارانتينو وجيم جارموش ومايكل مان وجون وو، كلهم لن يكونوا كما نعرف لولا هذا الأصلع ذو الكرش. الماستر الذي جعل من المعطف والقبعة وكابينة الهاتف أوابد سينيفيلية مشرقة بقدر إظلامها.

ثلاثية ملفيل – ديلون: من 16 حتى 18 فبراير ــ المعهد الفرنسي في المنيرة (السابعة مساءً) ـ للاستعلام: 0227915871