قد يكون «العيون الكبيرة» الذي يبدأ عرضه في الصالات اللبنانية الخميس المقبل، من أكثر أعمال تيم بورتون جدية ونضجاً، سواء كان ذلك سلبياً أو إيجابياً بالنسبة إلى مخرج كبورتون. الفانتازيا (أو العالم الخرافي؟) والسذاجة الحالمة هما إحدى الثيمات المهمة في أسلوبه السينمائي ونقده للواقع. تعاون السينمائي الأميركي (1958) في هذا الفيلم مع الكاتبين سكوت ألكسندر ولاري كاراسيفسكي الذي سبق أن عمل معهما في «إد وود» (1994) الذي يروي سيرة المخرج الأميركي إد وود. هذه المرة، يتناول بورتون قصة الرسامة الأميركية مارغريت كين (1927) الذي نسب زوجها والتر أعمالها إلى نفسه، فاشتهر بفضلها.


إلا أنه بعد انفصالهما، قررت فضحه على الملأ فرفعت دعوى تزوير ضده. أما «العيون الكبيرة» فهي الخاصة التي كانت تميز الأطفال الذين ترسمهم مارغريت في لوحاتها. يبدو اهتمام بورتون بهذه الشخصية نابعاً منها، إذ يلعب بطرافة على أمر هذه العيون الكبيرة التي لا يجد الناس تفسيراً مقنعاً لغرابتها ولا حتى مارغريت نفسها.

الفانتازيا والسذاجة ثيمة في أسلوبه السينمائي ونقده للواقع

أما عن سبب اهتمامها برسم الأطفال، فذلك يعود إلى السنوات الوحيدة التي أمضتها كربة منزل قبل أن تقرر هجر زوجها الأول والقدوم إلى سان فرنسيسكو حين كانت ابنتها الشخصية الرئيسية والوحيدة في حياتها. لكن والتر الخبير بأمور التسويق لا يجد في ذلك سبباً يجذب الجمهور، فيقرر لدى ادعائه رسم هذه اللوحات بأنّه فعل ذلك لتأثره ببؤس الأطفال الألمان الذين شاهدهم في جولته في أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ما يجعل الجميع يبكي تأثراً بهذه القصة الحزينة. هذا ما نراه في مشهد المقابلة التلفزيونية الذي يجريها. يعكس ذلك رؤية بورتون الساخرة حيث الفنان الحقيقي كما مارغريت باعتياديتها وبساطتها غير مقنعة وجذابة بقدر الفنان المزيف والتر، فالجمهور يبحث عن صورة نمطية عن الفنان تلائم توقعاته. يذهب بورتون بعيداً في السخرية، فتصبح هذه العيون الكبيرة العجيبة أحدث موضة. يتهافت الناس على شراء نسخ البوسترات التي يبيعها والتر بدلاً من اللوحات الحقيقية في المعرض الذي لا يزوره أحد. وفي حين لا يعترف النقاد بالقيمة الفنية للعيون الكبيرة التي لا يرون لها مغزى أو عمقاً رغم نجاحها الجماهيري، إلا أن موقف بورتون من القضية واضح منذ البداية. في مقدمة الشريط، يعرض رأي آندي ورهول بفن والتر: «أظن ما فعله والتر هو مدهش، لا بد من أنه جيد. إذ لو لم يكن بذلك السوء، لما أحبه هذا العدد الضخم من الأشخاص». ورغم أن أسلوب الفيلم قد يكون أكثر كلاسيكية من باقي أعمال بورتون، إلا أننا نجد بعض العناصر المكرسة لدى المخرج كما السذاجة الحالمة التي تتسم بها شخصية مارغريت ولوحاتها التي تمزج البراءة والسوداوية معاً، عاكسةً وجه التناقض المحبب للمخرج في أعماله. هذا إضافة إلى طفلة مارغريت بعينيها الكبيرتين الفضوليتين اللتين تظلان تلاحقان أمها وتسعى إلى كشف السر الذي تخفيه عنها. هي وحدها التي لا تيأس من البحث عن الحقيقة في حين أنّه حتى مارغريت نفسها تنسى تدريجاً مع السنوات هويتها الحقيقية التي سرقها منها زوجها، ما يجسد فكرة أن الأطفال وحدهم يرون الحقيقة البديهية التي تغيب عن الراشدين. أما اللغة السينمائية بجمالية ألوانها وهندسة اللقطات، فتحمل لمسة الفانتازيا الخاصة ببورتون. ولو أنها تغيب جزئياً عن الشريط في ما بعد، إلا أنّها حاضرة بخاصة في مشاهد البداية حين تقرر مارغريت هجر زوجها والانطلاق في الرحلة إلى سان فرنسيسكو مع ابنتها. رحلة يصورها المخرج أشبه بحكاية خرافية. حين تصل هنالك، ترتطم بواقع أنها امرأة مطلقة وأم لطفلة في نهاية الخمسينيات من العقد الماضي، وفرصتها في النجاح بمفردها معدومة تقريباً. لذلك، تقبل الزواج من والتر واقتراحه بنسب لوحاتها لنفسه بعد أن يقنعها أنه لن يأخذها أحد على محمل الجد لأنها امرأة. ورغم فظاعة ابتزاز والتر واستغلاله لها، إلا أن بورتون لا يضع مارغريت في موقع الضحية، ولا يصوّر والتر في شخص الشرير، بل هو يفعل فقط ما يجيده أي الاحتيال، وهي تصمت لأنها تريد الأفضل للجميع، ولا تثور إلا حين يهددها والتر وابنتها. حتى قرارها بكشف الحقيقة في النهاية هو لاسترجاع هويتها التي تشكل هذه اللوحات جزءاً منها كما تقول لا لإثبات نفسها أو موهبتها. فهي ـ بعكس والتر ـ ترسم من دون هدف أو سبب محدد، كما سر العيون الكبيرة الذي يحير الجميع. أما الممثلة آيمي آدامز فتقدم أداء يختلف جذرياً عن «احتيال أميركي» الذي رشحت عنه للأوسكار السنة الفائتة، عبر شخصية مارغريت الهادئة والرقيقة التي تؤديها في حين أنّ الممثل كريستوف والتز يبرع في تقمص دور زوجها المحتال الذي لا يعترف بكذبته حتى حين يجري القاضي اختباراً للرسم ليحسم القضية. يتحجج بألم في ذراعه لأنه رغم كل شهرته المزيفة، لا يجيد رسم أي خط!

Big Eyes: اعتباراً من الخميس المقبل في الصالات اللبنانية