باريس | ما هي صورة الأرشيف؟ نبض حيادي لوقائع سابقة؟ لمجتمعات بعيدة في الزمن؟ أم بناء ايديولوجي أسّست له الدولة من وجهة نظر تهدف إلى الإخضاع وتمرير خطابات إيديولوجية؟ في المستعمرات الفرنسية السابقة، أرادت السلطة استعمال الصورة كطريقة لتحييد الشعوب. العمل على الأرشيف السمعي البصري الذي صوّرته أساساً مؤسسات رسمية فرنسية كالجيش والخارجية، وتحويرها، هو الرهان الذي لعب عليه المخرج الكمبودي- الفرنسي ريثي بان (1964) الحائز جوائز مهمة في السينما الوثائقية. من خلال «فرنسا موطننا» (75 دقيقة ـ 2014) الذي عرض أخيراً ضمن مهرجان سينمائي أقيم في بياريتز (جنوب غربي فرنسا)، يستعيد حقبة كانت فيها القوى الاستعمارية، خصوصاً الفرنسية، تطمح إلى تمرير فكرة مفادها أن فرنسا أتت بالحضارة والازدهار إلى مستعمراتها، ولعبت دوراً حضارياً في بقاع العالم.


هذا الوثائقي يعيد استعمال الأرشيف الاستعماري بهدف تفكيكه وبالتالي إدانة الكولونيالية. إنّه مقاربة سينمائية تحاول إعادة كتابة تاريخ القرن العشرين، ومساءلة الميكانيزمات التي أدت إلى صناعة هذا التاريخ. العمل الأساسي للمخرج المشغول بالذاكرة هو صوغ رواية جديدة للتاريخ من خلال مونتاج لصور الأرشيف. يعيد بان استعمال مناخات الأفلام الصامتة من أجل إعادة بناء المناخات نفسها التي رافقت الأفلام الكولونيالية، على أن يحوّرها.

حوارات طويلة يغلب عليها
الطابع المسرحي
هكذا يعمد الفيلم منذ مشاهده الأولى إلى خلق «خطاب ساخر»، يتضاعف عبر استعمال الموسيقى و»ألواح» تكتب عليها اقتباسات من الخطاب الكولونيالي. اقتباسات مأخوذة من كتابات الرحالة والمستعمرين الأوائل الذين مارسوا وصاية واستعلاء استعمارياً واضحاً على المستعمرين. إنها العنصرية الاستعمارية التي تختفي خلف حجب التحرير والحضارة للشعوب «المتخلفة». هكذا نجد خطابات عنصرية حول مزاج وأخلاق وعادات المستعمرات.
ركز المخرج على أرشيف دول آسيوية وأفريقية خضعت للوصاية الفرنسية، ليمرر فكرة أن واقع الحال كان ذاته في جل المستعمرات. فرنسا كانت في «مهمة حضارية» وفق ما تروّج له دعاية المرحلة، و»العرق» الأبيض متفوق على الأعراق الأخرى. الصور كان يراد لها أن تعكس وجهة النظرة الكولونيالية القائلة بأن الاستعمار جلب الرخاء إلى المستعمرات.
عبر صور الأرشيف والموسيقى، نجح المخرج في إعادة خلق شفرات الخطاب الكولونيالي بغرض تفكيكه، ووضعه في فوهة النظرة المعاصرة. والهدف طبعاً هو إدانة الاستغلال اللاإنساني للمستعمرات. المدارس والطرقات والمستشفيات شُيِّدت حينها لا من أجل السكان الأصليين، بل من أجل المعمرين، بينما المحليون كانوا يقيمون في أكواخ ودور الصفيح ويعملون في السخرة والمزارع. والأدهى هو اقتيادهم إلى الحروب العبثية التي اجتاحت أوروبا والدفع بهم إلى صفوفها الأولى رغم أنها ليست حروبهم.
يستعيد «فرنسا موطننا» المستعمَرَ ويعطيه وجهاً آخر داخل إطار الصورة. بهذا، يسقط قناع الكائن المنمحي. نظرته إلى الكاميرا، تستطيع أن تعكس شكلاً من أشكال المقاومة. هو نفسه سواء في الهند الصينية أو كمبوديا أو أفريقيا. يعيش الأوضاع نفسها، وصورته تعكس اللقاء الشقي بالغرب. لقاء تتضاعف مأساته من خلال الإقصاء وعدم الفهم الفظيع الذي يتحول إلى استعارة للإكراه الاقتصادي والثقافي. «فرنسا موطننا» فيلم ما بعد كولونيالي يدخل النسق ذاته الذي استعملته سينما الشعوب بعد تحررها الصعب من الاستعمار. كثيرون عاودوا العمل على الأرشيف، من خلال تقطيعه، وإعادة منتجته، وترتيبه وفق خطة سردية معينة والهدف واحد: الكشف عن الصورة المدفونة في أعماق اللاوعي الجمعي. لاوعي يبحث عنه ريثي بان منذ أفلامه الأولى. اشتهر في الأوساط السينمائية الفرنسية بوثائقي  Site2 عام 1989. بعدها توالت أعماله التي تشتغل على تاريخ بلاده الأم، فحظيت بحفاوة نقدية مثل «أرض الأرواح الهائمة» (1999)، و»S21: آلة الخمير الحمر للقتل» (2002). استعاد القصة نفسها في فيلم «الصورة المفقودة» لكن عبر الدمى والأرشيف لعكس فظاعة الخمير الحمر، فنال الشريط جائزة «نظرة خاصة» في «مهرجان كان» (2013).
اهتمامه بجرائم الخمير الحمر لا يرتبط بالتاريخ الكمبودي الجمعي فحسب، بل إن بان كان أيضاً إحدى ضحايا عنفهم الدموي الذي اجتاح قرى كمبوديا. والده المزارع وعائلته اعتقلا وأودعا أحد المعتقلات التي أعدها الخمير لمعارضيهم السياسيين. هناك لقيا حتفهما، بينما استطاع بان الهرب ليقيم في أماكن مختلفة قبل الوصول إلى فرنسا. اهتمامه بالذاكرة والأرشيف دفعه منذ عام 2006 إلى إطلاق مركز للذاكرة يهدف إلى مصالحة الكمبوديين مع الأرشيف السمعي البصري للبلد الذي عرف تاريخاً مجبولاً بالحروب والدم.