إنها سابقة بالفعل أن يبث وثائقي عن مسيرة الرئيس الراحل رفيق الحريري بشكل موحد على شاشات لبنانية (nbn، و»المستقبل»، وlbci، وتلفزيون لبنان، وmtv) باستثناء «المنار» و»الجديد». الوثائقي الذي عُرض عشية الذكرى العاشرة لاغتيال الحريري الجمعة الماضي، يريد أن يصل الى مصاف القضايا الكبرى كالحرب على غزة والتضامن مع الجيش في وجه الإرهاب. «زمن رفيق الحريري» (إعداد جورج غانم، وإخراج بيار صرّاف) الذي امتد لساعة واستعرض مسيرة الحريري منذ نشأته في صيدا (1944) مروراً بالباب السعودي والعالمي وصولاً إلى الاغتيال (2005)، لا يمكن تصنيفه في الشكل والمضمون الا ضمن الشريط الترويجي التمجيدي.


يظهر هذا الأمر جلياً في التقطيع السريع للصور الثابتة التي تختصر المراحل الحياتية للرجل مرفقة بموسيقى صاخبة، تبعد المتلقي عن سردية سيرة ذاتية وتضعه أمام إعلان ترويجي مع فارق الوقت الطويل. وثائقي لم يحمل سوى المدائح حتى في أكثر النقاط جدلاً في مسيرة الحريري.

اختفت المساحة النقدية
وحضر الرجل المنقذ
راح معدّ الشريط يحوّل الجدل الى إنجاز والإخفاق إلى عجز عن امتلاك مفاتيح السلطة في لبنان. هكذا تحول الحريري الى بطل قومي ومنقذ للبنان ما بعد الحرب الأهلية، خصوصاً ما شهدناه في الفيلم عن وضعه مسودة اتفاق الطائف. اختفت المساحة النقدية وحضر الرجل المنقذ الذي لطالما كان محط أكبر جدل في مشروعه الاقتصادي والسياسي في لبنان.
اختفاء المساحة النقدية رافقته شهادات من سياسيين منغمسين بالكامل في «تيار المستقبل» (فؤاد السنيورة، مروان حمادة، جوني عبدو، نهاد المشنوق، غازي يوسف، داوود الصايغ) وطبعاً صبت كل مواقفهم في خدمة الشريط. والى جانب كون العمل تبخيرياً بامتياز، فإن ملامح التسييس سرعان ما بانت، خصوصاً في الحديث عن بدء توتر العلاقة مع دمشق لدى مجيء الرئيس الأسبق إميل لحود إلى الحكم (1998) وبعدها قبول الحريري التمديد «مكرهاً». وبعد اغتياله عام 2005، توجه المعدّ بنفس الواعظ إلى المشاهدين وقال لهم: «صحيح اختلفتم على الحريري بعد اغتياله، لكنكم لم تعلموا حجم الإنجازات التي قام بها، خصوصاً في المرافق العامة ولم تعلموا أيضاً أنّ الأخير وضع الحجر الأساس للمستقبل وأعاد ترميم المعادلة اللبنانية»، وهنا يظهر الشريط مشاهد من انسحاب الجيش السوري من لبنان!
على مقلب آخر وفي التوقيت واليوم نفسه، أخرج «الجديد» حلقته الخاصة «لعيونك» (الأخبار 13/2/2015) رداً على استثنائه من حفلة البث الموحّد. شريط (إعداد رامي الأمين، وجاد غصن)، لم ينجح في حيادية اصطنعها عبر ترك الحرية للضيوف بإصدار الحكم على زمن الحريري ومسيرته. بدا واضحاً التوجيه السياسي من خلال اختيار أولاً الثقل المعارض للحريري وأبرزهم النائب السابق نجاح واكيم الذي كان المشاكس والمعارض الأشرس للراحل، ولمشاريعه الاقتصادية في الدرجة الأولى.
سارت دفة الشريط في هذا الاتجاه، حتى لو تضمّن بين طياته كيلاً من المدائح والإنجازات (شهادتا النائب أحمد فتفت، الإعلامية بولا يعقوبيان)، وبرز التعويل الأساسي على رفيقه ومستشاره مصطفى ناصر الذي ربما استفيد من إقصائه من التيار الأزرق ليدلو بدلوه ويكشف بعض الأسرار. ولعل أبرز تدخل حدث من قبل المعدين تجلّى في نهايته عندما قيل عن الحريري إنّه «تحول إلى طرف طائفي بعدما قدم نفسه زعيماً وطنياً» بعد احتدام الصراع السني الشيعي بعيد اعتداءات أيلول (سبتمبر)
2001.
محاور عدة لهذا الشريط تقاطعت بالطبع مع شريط «زمن الحريري»: النشأة، الحضن السعودي، شبكة العلاقات الدولية، المقاومة، رئاسة لحود، وصولاً إلى عملية الاغتيال. الشريطان يقفان عند هذا التاريخ. استخدم «لعيونك» مشهدية تركيب البازل لصورة الحريري كي ترافق مراحل السردية، واستخدم غانم مشاهد سريعة من وسط بيروت وساحة النجمة لتختصر «زمن الحريري» و«إنجازاته». في المختصر، كنا أمام جبهتين تعكسان الانقسام المستمر حول هذه الشخصية وارثها، واستحالة حسم الجدل بعدما طوّبه الإعلام «قديساً» بعد اغتياله.