اختُتم أمس ملتقى الرواية العربية في دمشق. وعلى رغم أنّ عنصر الروائيين الشباب طغى على الملتقى، فإن «جبهتهم» انهارت أمام تماسك الجيل الأسبق الذي تمثّل في ثلاثة أسماء: فيصل دراج ونبيل سليمان ومحمد برادة


دمشق ــــ حسين بن حمزة
بعد أربعة أيام من النقاشات الساخنة حول المشهد الروائي العربي الراهن، اختتم أمس «ملتقى الرواية العربية» ضمن فعاليات دمشق عاصمة الثقافة العربية ــــ 2008. كثيرون ظنوا أنّ الملتقى الذي ضم 20 اسماً من التجارب الجديدة من دول عربية عدة، سيضمن الغلبة لهم بالضربة القاضية، لكنهم لم يفوزوا حتى بالنقاط.
كثرة الروائيين الجدد لم تؤدِّ دوراً حاسماً في ما دار من أفكار متشعبة ومتناقضة أحياناً. لم يكن مخططاً للملتقى أن يكون مصارعة بين أجيال، لكن حضور اثنين من عتاة الحرس القديم، وهما الناقد الفلسطيني فيصل دراج والناقد والروائي السوري نبيل سليمان، وبدرجة أقل الناقد والروائي المغربي محمد برادة، جعل مقترحات الشبان تصطدم بحائط منيع. العناوين المتعددة التي أعطيت للجلسات تحولت إلى عنوان وحيد هو صراع التجارب الجديدة مع الآباء.
معظم الروائيين الجدد، وخصوصاً خليل الرز، خالد خليفة، منتصر القفاش، فيصل خرتش، علي بدر، قدموا مداخلات مهمة وجريئة. المداخلات هذه قوبلت بتحفظ من ممثلي الحرس القديم، كان يتحول أحياناً إلى رفض صريح. حتى إنّ نبيل سليمان أبدى خشيته من انزلاق الكتّاب الشباب إلى ما سمّاه «كذبة الرواية العربية الجديدة»، متهماً بعض المغالين منهم بالادعاء والجهل. وتكرر هذا الهجوم بلغة أقل حدة حين دعا الشباب إلى : “الاختلاف لا القطيعة». فيصل دراج فضّل أن يكون أكثر دبلوماسية، فكان يبدي ترحيباً بما يسمعه من مداخلات الروائيين الجدد، ثم يتحول الترحيب إلى تمهيد قصير لانقضاض صاعق. دراج وسليمان كان يتدخلان كلما رأيا أن الأمور تفلت من زمام تنظيراتهما المسبقة عن الرواية العربية. حتى إن الأول ردّ على استشهاد أحد الشبان بالمفكر الفرنسي بورديو: «نحن نناقش الرواية العربية ولسنا في فرنسا». ثم عاد في الجلسة الأخيرة، فدعا الروائيين الجدد إلى التخلي عن «الغطرسة». دراج وسليمان كرّرا أنّ الوظيفة الاجتماعية للأدب انتهت، وأن الزمن الراهن يتصف بغياب السرديات الكبرى، وصعود السيرة الذاتية، وحضور الشخصية المهمّشة والمغتربة، إلا أنّهما كان ينقلبان بسرعة على هذه الاعترافات، فيروحان يعددان الأسباب الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية التي أدت إلى نشوء كل ذلك، عائدَين إلى أنّ الأدب هو انعكاس للواقع. محمد برادة نفسه لم يفلت من اعتراضات سليمان ودراج المتكررة كلما لاح انحياز ولو طفيفاً إلى الروايات الجديدة على حساب منظومتيهما النقدية والأيديولوجية. برادة هوجم بسبب عنوان ورقته التي ناقش فيها مفهوم «القطيعة» عبر ستّ روايات جديدة، رغم أنه استبعد مصطلح القطيعة، ورأى أن الأمر يتعلق بزحزحة أو تجنّب أشكال وموضوعات وأساليب كانت سائدة.
أسئلة مهمة ومقلقة طُرحت في الملتقى مثل: هل الجديد يحمل قيمة إيجابية بالضرورة؟ هل تكون القطيعة مطلقة مع ما سبق؟ هل تحولات السرد الروائي تحدث في الموضوعات والأشكال أم في التقنيات والأساليب؟ هل الأساليب عابرة للحدود أم أن الروائي العربي مرغم على استخدام المحلي منها؟.
في المقابل، لم يكن الروائيون الجدد أنفسهم متفقين في العديد من محاور الملتقى. المصرية منصورة عز الدين تساءلت عما إذا كانت الرواية الجديدة استسهالاً أم رغبة في التجاوز. مواطنها منتصر القفاش رأى أنّ الحوار بين الأجيال لا ينقطع وهو محكوم بـ «صراع حكايات لا صراع قضايا». مواطنتهما ميرال الطحاوي رأت أن التجارب الجديدة لا تحتاج إلى شهادة عمادة من الكبار، وأن ادعاء القطيعة يكشف عن عجز في الإتيان بجديد. السورية عبير اسبر اشتكت من عدم احتضان الجيل السابق لتجارب الشباب، والسوري خالد خليفة أشار إلى مجاملات تتحكم في علاقة الروائيين الشبان بعضهم ببعض. الناقدة المصرية شيرين أبو النجا تساءلت إن كانت «الكتابة الروائية الجديدة جديدة حقاً».
والخلاصة أنّ جبهة الشباب كانت عالية النبرة، لكن قلقة وخجولة، مقارنة بتماسك جبهة الحرس القديم.