معرضها الحالي عن الغربة والوطن والذاكرة


حسين السكاف
كثيرة هي الآراء التي اتّفقت على أنّ الغربة تجعل المبدع أكثر التصاقاً بوطنه، تماماً كما تصبح الأحلام أكثر وضوحاً كلما اتّسعت المسافة بين الروح ومكانها الأول... تلك هي الفكرة التي شكّلت مضامين أعمال التشكيلية العراقية صباح المعمار (1965) في معرضها الشخصي الخامس الذي افتتح أخيراً في قاعة مركز الثقافات العالمية في كوبنهاغن.
حوائط حملت ذكريات البيوت العتيقة، شبابيك ونقوش، كلمات ورموز، حروف حب، وأخرى لعبث الصبيان، آثار بلون الحناء تركتها أكفّ الأهل والأحبّة على أبواب المنازل، تلك الصور وغيرها من حيثيات، كوّنت طقوس الحنين إلى أشخاص بوجوه باسمة. الأهل والأحبة، الأزقة والبيوت العراقية بمختلف ألوانها وأجوائها. صور ما زالت الذاكرة تحتضنها كالوليدالناظر إلى أعمال المعمار سرعان ما يتلمّس عفويةً صادقةً ومزجاً روحياً بين كيان الفنان وعمله، كأنّه نتاج لفنان فطري. نقلنا هذا التصوّر بصورة سؤال، فأجابت مبتسمة: «رغم أنّي درست الفنّ التشكيلي أكاديمياً، إلا أنّ علاقتي بأعمالي، تبقى علاقة الطفل بالاكتشاف والدهشة. لا أنتبه إلى تأثير دراستي الأكاديمية إلا حين أكمل العمل وأنظر إليه نظرة المشاهد». هذه الكلمات التي تفشي لنا طقوس ولادة العمل الفنّي لدى صباح المعمار، يمكننا أن نتلمّسها في العديد من أعمالها، إلا أنّ بعض عناوين الأعمال حملت أسماءً لا تخلو من المشاكسة كما في لوحة «ما زالوا هناك... هنا» (50x40 سنتم) التي نشاهد فيها تكوينات متداخلة لأشخاص أو أثراً لتكوينات بشرية كأنّها نُقشت على جدران كهف، أو على جدران الذاكرة، أشخاص ينتمون بتكويناتهم إلى شخوص الأحلام. ألوان باهتة يغلب عليها ألوان التراب والطين والحجر. أشخاص ما زالوا يعيشون هناك حيث مكان الذكريات، المكان الأول، وهم في الوقت نفسه يعيشون هنا حيث الذاكرة.
في لوحة «مسرح عائلي» ( أكريليك على القماش ـــ 40x50 سنتم)، يأخذنا العنوان للوهلة الأولى إلى ذكريات الشراشف والعباءات التي كنّا نستخدمها كستار لمسرحياتنا العفوية التي كنّا نقيمها ونحن صغاراً، إلا أنّ مخيّلتنا سرعان ما تذهب مع موضوع اللوحة ورموزها لنكتشف الستارة وقد احتوت على رموز لأبواب وشبابيك، ما يدلنا على تلك الستارة التي كانت تحل محل أبواب الغرف الداخلية للمنازل الشعبية. وهنا نتلمّس الكثير من القصص المشاكسة التي تكشفها لنا الفنانة: «الستائر التي كانت تؤدي دور الأبواب في بيوتنا الشعبية لم تكن تحجب الأصوات وما كان يدور داخل الغرف، حتى الهمسات والوشوشات، كانت الستائر تفشل في إعاقتها للوصول إلى مسامعنا». لكننا نجد الستارة وقد أخذ شكل استطالتها وضعاً عرضياً على خلاف الستائر التي تأخذ شكلاً عمودياً؟ «صحيح، ولكنّ الكبار كانوا يريدون من الستائر أن تكون جدراناً يحتمون بها ويستترون، إلى درجة أنّهم يشعرون بالدفء حين تسدل عليهم! وهذا مثير حقاً». الفراغات البيضاء التي ظهرت على الستارة الحمراء وسط اللوحة تفضح هشاشة الفكرة التي وضعت من أجلها الستائر في بيوتنا العتيقة.
كثيراً ما يلجأ الغريب هرباً من وحشة المكان وخوائه إلى إغماض عينيه، مستحضراً صوراً لوجوه وأماكن تمنحه دفئاً روحياً خاصاً. تلك الصور الجميلة سرعان ما تتحوّل إلى هالات حمراء مشوّهة الملامح حالما تُفتح العيون وتستقبل ضوء المكان. هذا المشهد اليومي المتكرر من سيناريو الغربة، صوَّرته صباح المعمار في لوحة «ذكريات النافذة» (زيت على قماش ــــ 80x60 سنتم). شباك لغرفة مظلمة تستقبل زجاجاته ضوء المكان البعيد، إلا أنّ صوره تبقى فاقدة الوضوح ما دمنا نشاهدها بعيون مفتوحة. هكذا تصف لنا الفنانة حالة وجدانية متأملة: «تختزن ذاكرتي صوراً وذكريات لأماكن ووجوه يصعب عليّ تلمسها، فأستحضرها في اللوحة لأحاكيها وأعيش معها، ولو للحظات. صور لمشاهد أراها أمامي كلما أغمضت عينيّ، حتى بتّ أعرفها جيداً، تماماً كأصحابي. إلا أنها تتلاشى حالما أعود إلى الواقع». تُرى، هل هناك تعريف للغربة أعمق من أن تكون الذاكرة وصورها جلّ أصدقاء الإنسان؟