strong>باسل السعدي

هراير سركسيان مصوِّر سوري لم يتخرّج من كلية أو معهد للفنون ولم يحضر ندوات المصالحة بين الأصالة والمعاصرة. تجربته تطوّرت بصمت وبسرعة خلال السنوات الستّ الماضية. وهو يشارك اليوم ضمن معرض جماعي لفنانين عرب بعنوان «نهايات جديدة» في صالة «بلوكوت»، ليفربول (إنكلترا). أعماله تحاول صناعة ذاكرة وهوية فردية خارج الذاكرة الجماعية. الجسد كموضوع كان نقطة انطلاقه، ثم قرر الانتقال إلى موضوع آخر هو العمارة، وتحديداً العمارة غير المنتهية وسرعان ما أصبح هذا الموضوع أساسيّاً في تجربته.
عندما تنظر إلى صوره للأمكنة غير المنتهية، تشعر بالراحة. هناك عين ما وقفت في هذا البرزخ وصوَّرت. ليس هناك ذكريات، لم يوجد للمكان ذكريات بعد... لا يوجد زمن. «أُحسُّ بالخفة لأنني وحدي». الأمكنة المغلقة في صوره تبدو كمسارح مهجورة، ما يؤكد هذا الشعور أكثر هو الإضاءة الخافتة. هناك لعبة فنية تحدّثنا عن زمن ماضٍ رغم أنّنا نعلم أنّ هذه الأمكنة لم تُسكن بعد. البناء المعماري الصارم أيضاً هو الميزة الأساسية. وفي اختياره ما هو هامشي وغير متوقع ميزتان: الأولى هي خصوصية الموضوع. فعلى الأغلب لن يُصَوَّر هذا المكان مرة أخرى والميزة الثانية هي فنية، فهذا النوع من المواضيع يعطي للمصور مجالاً للمناورة ليشّكل البناء داخل الصورة عبر اختياره تفاصيل عابرة تزيد من قوة الصورة بشكل غير مباشر. لكن يبقى سؤال: رغم الفنية العالية في هذه الصور، إلى أيّ حدّ يكون التصوير في الأمكنة المغلقة خياراً فنياً في مجتمع ما زال يتوجّس من الكاميرا؟ يقول هراير عن تجربته في تصوير الأمكنة العامة في دمشق، إنّه كل مرة هناك مَن يأتي ليسأله عما يفعل؟ فيجيبه أنّه يصور. فيسأله ثانيةً: ماذا تصوّر؟ ولماذا؟!
عناوين معارضه التي أقامها في أثينا وليفربول قد تعكس عناوين لهوية ما. عنوان المعرض الأول «غير مُنْتَهٍ» كان عن العمارة في مساحاتها الداخليّة في طور الإنشاء. أما عنوان المعرض الثاني «ما بين»، فهو عن زيارته لأرمينيا حيث صوَّر الأمكنة والأبنية المهجورة منذ حقبة الاتحاد السوفياتي، فاذا به يصوّر بلداً كان ينتظر زمناً آخر أكثر سعادة، فلم يأتِ إلا الفقر.
ينتمي هراير إلى جيل من الفنانين السوريين مضوا في التجربة وحيدين تماماً من دون مرجعيات فنية. مضوا في تجاربهم (على حسابهم) ووجدوا في الأسئلة الذاتية نقطة انطلاق ليصنعوا هويتهم الفنّية ويتعرفوا أكثر إلى الفنّ المعاصر.