واحد من التعليقات المرحة على أزمة الصحافة العالمية قول أحدهم إنّ "الأثر الوحيد الذي سيبقى للصحافة الورقية بعد 100 عام، سيكون على جدران المتاحف"، في إشارة إلى الأعمال الفنية المصنوعة من الجرائد الورقية. لعل هذه العبارة هي الأقرب إلى مشروع "الفن المطبوع" الذي تستضيفه أربع جرائد لبنانية، بدءاً من نهار السبت 30 نيسان (أبريل) الحالي، في ظل الأزمة التي تعانيها الصحافة الورقية.
"الفن المطبوع" هو عنوان المشروع الجديد على برنامج «متحف قيد التأسيس» (تفتتحه "الجمعية اللبنانية لتطوير وعرض الفنون ــ Apeal" في عام 2020) الذي يقيمه بالتعاون مع جمعية «منصة فنية موقتة» (.T.A.P) التي تسعى إلى إخراج الفن المعاصر نحو فضاءات وفسحات جديدة. طلب المتحف من مديرة .T.A.P أماندا أبي خليل العمل على مشروع جديد لتقريب الفن من الجمهور اليومي. تتطلب هذه الفكرة زحزحة الفن من أمكنته المتوقعة كالغاليريات وصالات العرض والمهرجانات الفنية التي يرتادها جمهور معين ووجوه مكررة. من هنا، دعت المنسقة الفنية أماندا أبي خليل مجموعة من الفنانين اللبنانيين المعاصرين لابتكار عمل فني سيتدخّل في الفضاء الاعتيادي للصحف الورقية وتصميمها الثابت، ووظيفتها السياسية والثقافية. عرضت أبي خليل الفكرة على 16 فناناً ناشطاً على الساحة المحلية، قادمين من خلفيات متنوّعة مثل الفوتوغرافيا والرسم والتجهيز والفيديو، طالبة منهم إنجاز أعمالهم ضمن أسلوبهم الاعتيادي على مساحة معينة من الجريدة الورقية. الحصيلة النهائية وصلت إلى 12 فناناً لبنانياً ستنشر أعمال كل أربعة منهم تباعاً في "دايلي ستار" و"لوريان لو جور" و"السفير" و"الأخبار"، في السبت الأخير من أشهر نيسان (أبريل)، وأيار (مايو) وحزيران (يونيو).

مواضيع المدينة والمساحات العامة والسياسة والرقابة تظلّل أعمال الفنانين في الجرائد

صحيفة "دايلي ستار" تستضيف هايغ آيفازيان، وعمر فاخوري وأنابيل ضو. "لوريان لو جور" ستبدأ مع كالين عون، ثم الإيطالية إيلاريا لوبو، وسيرين فتوح. في جريدة "السفير"، سنرى أعمال وليد صادق، ثم دانيال جنادري وأحمد غصين. وفي "الأخبار"، هناك أعمال لرأفت مجذوب، وجيلبير حاج وندى صحناوي (راجع الكادر). أعمال تحاكي ثيمات ومواضيع وأساليب مختلفة ستؤطّرها الجريدة، وتصميمها الثابت الذي لن يكون سوى فرصة أخرى للعبث وإحداث التغييرات من قبل الفنانين.
مواضيع المدينة والمساحات العامة والسياسة والرقابة، إلى جانب الاهتمام الفني البحت تظلّل أعمال الفنانين في الجرائد، التي سيتاح لكل قارئ اقتناء العمل الكامل الذي صنعت منه آلاف النسخ. وفيما تعد المفاجأة والصدمة جانباً أساسياً من العمل لدى صدوره، يتعذر هنا الحديث عنها، ولا يمكننا سوى التوقف عند تجارب الفنانين المشاركين؛ عمل الفنان اللبناني هايغ آيفازيان (1980) بوسائط متعددة كالفيديو والرسم والتجهيز والنحت على مواضيع شخصية وتاريخية وجيو ــ سياسية. الهموم السياسية والمدينية شغلت الفنان اللبناني عمر فاخوري (1979) الذي نقل نصب بيروت وحواجزها الاسمنتية إلى لوحاته المفاهيمية. بين أميركا ولبنان، تمحورت أعمال أنابيل ضو (1967) المكتوبة والمسجلة، وعروضها الأدائية حول الحميمية والعلاقة بالذات. قراء "لوريان لو جور" سيكونون على موعد مع كالين عون (1983) المشغولة بتيمات الهندسة المعمارية والمشهد المديني والإعلانات المطبوعة والرقمية، في سعي دائم إلى منح القراءة والتداول الشائعين للأشياء أبعاداً أخرى. محطة أخرى مع الفوتوغرافية وفنانة الفيديو اللبنانية سيرين فتوح، ثم الفنانة الإيطالية المقيمة في بيروت إيلاريا لوبو (1977)، التي تراوح تجهيزاتها وعروضها الأدائية وأعمالها المطبوعة بين الشخصي والمساحات العامة. تحتضن جريدة "السفير" أحد أهم الوجوه اللبنانية المعاصرة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية وليد صادق (1966) الذي فتحت نصوصه ولوحاته آفاقاً جديدة لإعادة قراءة تاريخها. دانيال جنادري (1980) التي تعيش بين بيروت ونيويورك، تحاول في أعمالها استكشاف تأثيرات الهجرة والذاكرة والتنقل على علاقتنا بالصورة الفوتوغرافية. أما الفنان اللبناني أحمد غصين (1981)، فقد وجد في التسجيلات الصوتية الشخصية مادة لفيديواته وأفلامه، التي أنجز عدداً منها عن الذاكرة العائلية والجماعية. ينصرف فنانو "الفن المطبوع" نحو التدخل بخصوصية الصحف، على خطى فناني الدادائية والنيو ــ دادائية الذين شغلهم البحث عن فسحات أخرى في الطرقات والمحالّ، للتدخل بفنهم حتى بأعمال فنانين آخرين. هذا ما فعله الفنان الفرنسي المشاكس بيار بينونسيلي حين تهجّم بمطرقة على إحدى نسخ «النافورة» (١٩١٧) لمارسيل دوشان أثناء عرضها في «مركز بومبيدو الثقافي» (باريس) عام 2004، بعدما كان قد فعل ذلك بنسخة أخرى من العمل نفسه عام 1993. في الستينيات أيضاً، سعى الفنانون الأميركيون إلى تغيير دور الفنان في المجتمع، فكانت الجرائد محطة لا مهرب منها. خلال أزمة صواريخ كوبا عام 1962، احتج الفنان روبرت موريس على الحرب الباردة بعمل حمل عنوان "أزمة". استخدم صفحة من New York Mirror ثم لوّنها بالفضي السميك، بطريقة تبدو كأنه يمحي الصفحة بأكملها. لكن عن قرب، ستظهر أحرف معينة تصنع جملة "لقد حاصرنا كوبا بأربعين سفينة حربية". كان ذلك بمثابة اتهام للسياسة العالمية في وقتها. يستحضر هذا العمل مشروع Crossword 2001 للفنان اللبناني صلاح صولي الذي فرّغ فيه صفحات الجرائد من الصور، ثم غطى معظم الكلمات تاركاً فقط بعضها لتصبح كأنها قصيدة مجرّدة للاعتراض على الرقابة الفكرية.



رأفت مجذوب

● بالنسبة إلى رأفت مجذوب (1986)، تعد الجريدة مساحة فريدة للتجريب الفني، لموقعها الأساسي في الفضاء العام. الفنان والكاتب اللبناني الذي عمل لخمس سنوات في مجال الصحافة والنشر، أنجز أعمالاً فنية حول أبنية الحرب المهجورة بين الماضي والحاضر في «ألو، شايفني؟» (2015)، وافترش تجهيزه «نافورة الأمنيات ـ مال عام» شارع الحمرا عام 2014، حيث حول النقود المرمية بداخلها إلى مال عام. يفتتح عمله Knowing Body سلسلة "الفن المطبوع" نهار السبت 30 نيسان (أبريل) الحالي على صفحات "الأخبار". يحاول العمل مساءلة مادّة المطبوعة الورقية، ومصيرها المستقبلي المشرّع على إحتمالات متعددة تحددها استخداماتها البديلة، رغم كل الأفكار والجمل التي قد تحويها.
30 نيسان (أبريل)




جيلبير حاج

● فكرة أنّ الفنان هو المدعو للقاء الناس، لا العكس هي التي دفعت جيلبير حاج (1966) إلى المشاركة في مشروع "الفن المطبوع". الفوتوغرافي والأكاديمي اللبناني، الذي اعتاد إرسال الدعوات لحضور معارضه في الغاليريهات، تلقى دعوة هذه المرة إلى مكان يحمل علاقة وثيقة بالناس. في عمله، سيسائل صاحب "أحد عشر مشهداً لجبل أرارات" (2011) فعالية الرقابة الذاتية للفنان وتلك المفروضة عليه في ظل وجود فضاء الإنترنت الواسع. يعتقد حاج أن الجريدة مكان مثالي لطرح أسئلة، بالإستناد إلى لوحة “أصل العالم” (1866) للفرنسي غوستاف كوربيه التي حجبتها الرقابة عن المتفرجين حتى عام 1996 حين عرضت في "متحف أورسيه”.
28 أيار (مايو)




ندى صحناوي


● يعد الفضاء العام ركيزة أساسية في أعمال ندى صحناوي (1958) التي دفعها شعورها بالسجن داخل الغاليريهات إلى نقل تجهيزاتها الفنية إلى الخارج. في "ألم يكفنا الاختباء 15 عاما في الحمامات؟” (2008)، فرشت صحناوي مساحة في وسط بيروت، بحوالي 600 مقعد للمراحيض في ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية. عام 2006، أنجزت "وينن؟" في ساحة الشهداء، حول مخطوفي ومفقودي الحرب. صحناوي المرشحة أخيراً عن لائحة "بيروت مدينتي" للإنتخابات البلدية، ترى تدخلها في الجرائد الورقية فرصة للقاء جمهور الصحيفة. طبعاً، سيفرض هذا عليها الإلتزام بمساحة محددة، لكن في رصيدها تجربة سابقة في هذا المجال، حين عملت عام 2000 على نسخ من صحيفة "لوريون لو جور".
25 حزيران (يونيو)