تونس | سبع جوائز «سيزار» انتزعها أخيراً فيلم «تمبكتو» (2014) لعبد الرحمن سيساكو (١٩٦٢): أفضل فيلم، وأفضل مخرج، والأفضل مونتاج، وأفضل صورة، وأفضل سيناريو، وأفضل صوت، وأفضل موسيقى. فتك الشريط هذا الكم من الجوائز في «السيزار» التي تعتبر المعادل الفرنسي لـ «الأوسكار»، لم يكن مفاجئاً. يأتي الفيلم ضمن مناخ متوتّر، حيث الظلامية والإرهاب وثقافة الإلغاء ترخي بظلالها على المنطقة كلها من فرنسا إلى سوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا.


في هذه الأجواء، يأتي السينمائي الموريتاني الفرنسي ليقدّم «انشودةً ضد البربرية وأغنية أمل انساني تبرز قوة وأهمية السينما في هذه الأزمنة الصعبة بهدف إحياء حرية التعبير والإبداع وحوار الحضارات» وفق ما قالت فريديريك برودان مديرة «المركز الوطني للسينما والصورة المتحركة». الشريط الذي نافس بجدية على سعفة «كان» في الدورة الماضية، كشف في مقاربة فيها الكثير من الشعرية عن جحيم تمبكتو في مالي تحت حكم الإسلاميين وسطوة الشرطة الاسلامية التي منعت الغناء والموسيقى والحب وكرة القدم. أثار الفيلم الجدل في كل عروضه، فهو صرخة احتجاج ضد ثقافة القتل والخراب وقطع الأعناق والسحل والحرق والذبح. على مدى ٩٠ دقيقة، نتعرف إلى تفاصيل الحياة في مدينة تمبكتو (شمال مالي) المعروفة بإرثها الصوفي الكبير التي تحولت عام 2012 إلى ملاذ للارهابيين الآتين من دول المغرب العربي. يبدأ الشريط بمشهد دموي فاجع: سيارة رباعية الدفع تطارد غزالة في الصحراء يصبون فيها وابلاً من الرصاص الذي يترجم حقدهم على كل شيء جميل. يخترق رصاص "الكلاشنكوف" مجموعة من المجسدات الفنية، لينتهي الفيلم بمشهد الطفلة الصغيرة توية ذات الـ ١٢ربيعاً التي تهيم على وجهها في الصحراء من دون وجهة ولا رفيق بعدما أعدمت الشرطة الاسلامية والدها كيدان وأمها زادمة في مشهد عناق اخترقه الرصاص مع تصاعد موسيقى تحيل على مناخ من الوحشة والاغتيال.
بين المشهدين، نكتشف الفقر والتهميش وقسوة الطبيعة التي تعانيها المناطق التي عشش فيها الارهاب في شمال أفريقيا والصحراء الكبرى. ليست تمبكتو المسماة «جوهرة الصحراء» الا رمزاً لهذه المنطقة الغنية بإرثها الروحي والصوفي والثقافي والغنية بالموارد الطبيعية. لكن وباء الاٍرهاب قتل كل شيء جميل بدءاً من الغزال إلى الموسيقى والحب والأغاني. رغم مناخه الدرامي، لم يخلُ الشريط من بعض المشاهد الكوميدية، لكنه ضحك كالبكاء مثل مشهد الشرطة الاسلامية وهي تتلصص أمام الأبواب وفوق السطوح بحثاً عن البيت الذي تنبعث منه الأغاني الافريقية الحزينة أو مشهد الشبان الذين يلعبون كرة القدم من دون كرة في مشهد سريالي يترجم حجم الخواء الذي زرعه الاسلاميون في تمبكتو! لم يختلف «تمبكتو» المتوج بالـ «سيزار» عن المسار الذي اختاره سيساكو الذي عاش طفولته في شمال مالي من أسرة آتية من موريتانيا. منذ عمله «الحياة على الأرض» (1998) و «في انتظار السعادة» (2002)، «باماكو» (2006) وصولاً إلى «تمبكتو»، اختار الغوص في الأنتروبولوجي والاثني لتقديم سينما تعانق العالمية انطلاقاً من المحلي.