صاحب «الاستشراق» على الضفة الأخرى، رؤيويّاً ومقاوماً


خمس سنوات بعد رحيله، ما زال المفكّر الفلسطيني حاضراً في السجالات الفلسفيّة والسياسيّة، بل مرجعاً أساسياً للوعي العربي في مواجهة أزمة المشروع النهضوي. «دارة الفنون» في عمّان استعادت ذلك الطيف الأنيق، من خلال شريط يسلّط الضوء على المثقّف النقدي والإنسان

عمّان ــــ أحمد الزعتري

بدا إدوارد سعيد (1935 ــــ 2003) منهكاً رغم صوته الذي ينضح قوة وعناداً. وجهه النحيل أفصح عما فعله به المرض الذي صارعه لأكثر من عشر سنوات. تلك الفترة التي شغلها المفكر المحارب على طريقته، بمعارك ثقافية وفكريّة وسياسيّة نابعة من اجتهاداته ومنهجه ونظرته النقديّة إلى الصراعات الدائرة، في مهبّ التحولات التي راحت تشهدها المنطقة، فلسطينياً وعربياً.
أوّل من أمس عاد المفكّر الفلسطيني ــــ العالمي إلينا في الرؤية، من خلال شريط وثائقي بعنوان «إدوارد سعيد: اللقاء الأخير» (208 دقيقة)، عرضته «دارة الفنون» في عمّان. إنّها المقابلة الأخيرة التي أجريت معه قبل عام من رحيله. ظهر سعيد ببلوزة برتقالية ووجه شاحب ليتحدث عن عالمه، داخلاً إليه وخارجاً منه، يبوح بهمومه الخاصة والعامة، بدءاً من مرضه. العلاج يأخذ من سعيد وقتاً كبيراً، إنّه هنا في الصورة كما وصفه محمد حسنين هيكل «بوجهه المليء بمعاناة نبيلة، شبيهاً باللوحات العظمى التي تجسّد آلام المسيح».
«لا يحبّ الكثير من المرضى الخوض في مسألة مرضهم، لكنّني أتحدث عن مرضي دوماً، فبذلك أشعر أنني كائن اجتماعي في العالم». ربما سارت حياته بأكملها في هذا الاتجاه، فإدوارد سعيد الذي رآه مؤرخ الفلسفة غونار فريدريكسون أحد أهمّ فلاسفة القرن العشرين، كَتَب في السياسية والاستشراق والأدب والنقد والموسيقى والثقافة وعلاقة كل ذلك بالمجتمع، وعلاقة المثقف بكل ذلك.
في الشريط يستعيد المفكّر الراحل الجدال نفسه الذي أثاره سابقاً من خلال سلسلة محاضرات في هيئة الإذاعة البريطانية (1993)، متسائلاً: إلى أي حد يكون المثقفون في خدمة الوقائع الثابتة من قومية ولغة وتقاليد وتاريخ؟ وإلى أي حد يقفون منها موقفاً معادياً؟ يميل صاحب «تأمّلات في المنفى» (2001) إلى الثقافة التي تتجاوز في استمراريتها كل عوائق الآلة السلطويّة والقمعيّة، بل تنتج شروط تجددها وانتشارها واستمرارها، بمعزل عن البنى السائدة والحصار الذي قد يعيشه المثقف الذي لم يستسلم للسلطة.
وفي الحوار الذي أجراه الصحافي الأميركي تشارلز غلاس وأخرجه مايك ديب، ظهر سعيد أميركياً ــــ فلسطينياً، ففي أميركا التي آثر الحياة فيها بعد زيارته فلسطين، وجد صاحب «الثقافة والإمبريالية» (1993) فرصته المثالية «لينكر المرء نفسه، لا لأنني في موقع الخاسر وحسب، بل في الطرف «السلبي» من المعادلة، ذاك الموسوم بالخزي والعار». صحيح أنّه وقف على ضفة الخاسرين، لكنه ليس أيّ خاسر: إنه المثقف الذي طالما تحدث عن دوره في السياسة وعلاقته بالسلطة. يثير الأسئلة ليقلق الناس، ويدفع إلى التأمل ويستفز الجدال والتفكير. وهذا ما نجح الفيلم في إبرازه برهافة وأمانة.
زار إدوارد سعيد فلسطين بعد استقالته من منظمة التحرير (1992)، فلم يجد المكان الذي ولد فيه: فلسطين بدت له مجرد فراغات مسيجة، ومزنرة بالجنود. إلا أنّ أستاذ الأدب المقارن في جامعة «كولومبيا» كان يرى الضفة الغربية مكاناً جديداً بالمقارنة مع أميركا حيث استقر وانخرط في بناء مشروعه الفكري. «أغرتني فكرة التدريس هناك، لكنّ المرض كان عائقاً أمامي. أعتقد أن المسألة متعلقة بوجود قضية، أكثر من وجود مكان حقيقي لنا أو شعور وطني... وأنا في بقائي هنا أستطيع فعل أكثر مما لو كنت هناك».
لكن ما معنى أن تكون فلسطينياً في أميركا؟ يقول إدوارد سعيد المقيم «خارج المكان»، بحسّه النقدي الذي بلوره في نظريّته عن الاستشراق: «إذا كنت عربياً أو فلسطينياً في هذا البلد (أميركا)، تشعر أنك على الجانب الخطأ». فالاستشراق بقي على حاله، لكنّ أشكاله تغيرت وتطورت، مستغلةً الأدب والفن والسينما. والخطاب الاستشراقي نفسه، هو الذي صاغ الصورة السائدة في العالم أجمع، للفلسطيني في مواجهة الإسرائيلي. وسعيد يقرأ تلك الصورة على نحو مختلف ومفاجئ، إذ يقارب بين الشتات اليهودي واللجوء الفلسطيني، مختصراً الصراع كالآتي: «الدياسبورا كانت دوماً هناك».
وإن كان سعيد كتب عمله المفصلي «الاستشراق» (1978) مدفوعاً بما قرأه في «الكوميديا الإلهية» عن ظهور النبي محمد في الطبقة الثامنة من الجحيم، فقد قدم الاستشراق كاستمرارية ووسيلة لتكريس ما هو كائن. وفكك البنى المعرفية للاستشراق كواجهة مزيفة لفهم الشرق انطلت حتى على أهل الشرق أنفسهم. فـ«الشرق الحديث يشارك في استشراق ذاته».
ويمضي إدوارد سعيد في استعادة نظريّته التي يقدّم الفيلم فرصة ثمينة لإيصالها إلى جمهور واسع. يتناول كمثال أثر اللوحات الاستشراقية على العرب أنفسهم. تلك اللوحات التي تقدّم تخيلاتها للشرق بحريمه وغلمانه وخصيانه ولياليه الماجنة، يقتنيها غالبية الأثرياء العرب في قصورهم. تلك التجارة تحوّلت إلى سوق مربحة، وجدت من يمدها بالبضاعة في بيروت والعراق، حيث نسخ رسامو الاسكتشات العراقيين هذه اللوحات بعدما نفدت نسخها الأصلية... وصدّروها إلى أميركا التي كان جنودها يحاربون حليفهم السابق صدام حسين في حرب الخليج الثانية.
قاوم سعيد الاستشراق المقبول في الغرب، لكنه لم يكتب عن المقاومة نفسها في ذلك الوقت، ما دفعه إلى البحث في تاريخ المقاومة والتفكير في إنتاج «نظرية التحرير» المستندة إلى الوطنية، من هنا، خرج كتابه «الثقافة والإمبريالية» بعد «الاستشراق» بسنوات طويلة، أصدر خلالها أعمالاً عدة، أبرزها «تغطية الإسلام» (1981)، ومذكراته «خارج المكان» (1999).
يتحدث سعيد في الشريط عن المقاومة، لكن ليست تلك العسكرية، فيلتفت إلى المجتمع المدني، بحثاً عن «قيادة ثقافية سياسية بديلة عن القيادة العسكرية التي كانت الشكل القديم لمنظمة التحرير الفلسطينية... فنموذج الكفاح المسلح لفتح لعب دوراً ذات يوم وانتهى، وأصبح خارج التاريخ». أما في إسرائيل، فـ«كان الجيش هو الأساس، والآن أخزى هذا الجيش نفسه بالحرب والاعتداء على المدنيين». نتساءل ماذا لو كان إدوارد سعيد حياً خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز/ يوليو 2006، أو حصار غزّة مثلاً؟ ماذا لو أنّه كان شاهداً على اقتتال «فتح» و«حماس» التي يعدّها المفكّر الراحل «نتاجاً إسرائيلياً»؟
وإذ يسترسل إدوارد سعيد في بسط نظريّته عن تقهقر الخطاب العسكري، وصولاً إلى ضرورة إقامة دولة علمانية تجمع الشعبين، يؤكد أنّه لا يملك أيديولوجيا عملية لتنفيذ ذلك. كما يهاجم المفكّر الراحل في شريط «اللقاء الأخير» اتفاقية أوسلو التي لم تأتِ على ذكر حق العودة واللاجئين ومسألة القدس... فـ«فلسطين هي حتى الآن الدولة الوحيدة التي لا تمتلك حدوداً في الأمم المتحدة»!
والمعروف عن إدوارد سعيد الذي رحل عن 67 عاماً، أنّه كان يرفض إجراء المقابلات الشخصية. من هنا أيضاً الأهميّة الاستثنائيّة التي يكتسبها شريط الثنائي مايك ديب وتشارلز غلاس. على امتداد ثلاث ساعات، نحن وجهاً لوجه في حضرة المفكر والناقد والموسيقي الذي يمضي في سرد تفاصيل طفولته وشبابه ونضاله، وارتباطه بمنظمة التحرير الفلسطينية، وحياته الأكاديمية، ومواقفه، وكتبه. تحدث عن كل ذلك بصراحة ووضوح، كأنّه كان يعلم بالحدس أن هذا لقاؤه الأخير...



سجالات ومعارك

في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» الأميركية، بدأ سعيد أولى مواجهاته الثقافية في الثمانينيات بعد صدور كتابه «الاستشراق»، بعدما هاجم المستشرق الشهير برنارد لويس مشروعه النقدي والتفكيكي للفكر الاستشراقي على مرّ القرون. لكنّ ننتيجة المواجهة لم تأتِ لمصلحة لويس، والأمر نفسه ينطبق على حملة عالم الأنثروبولوجيا إيرنست غيلنر، إذ هاجم الأخير كتابه «الثقافة والإمبريالية»... فكان أن دُعي سعيد لافتتاح سلسلة محاضرات في جامعة كامبريدج.
وبعدها بسنوات تعرّض كتابه «خارج المكان» لنوع آخر من النقد. لقد كذّب جستس فاينر، وهو باحث أميركي من أصل يهودي، المؤلّف، مدعياً أنّ سيرته ملفّقة، وأن سعيد لم يعش في القدس، مسقط رأسه، قبل عام 1947، ولم يتلقّ التعليم في مدرسة سان جورج هناك، بل لفّق كل ما يخصّ علاقته بفلسطين في هذا الكتاب!
وعلى امتداد مسيرته، بقي الراحل مثقفاً إشكالياً، مثيراً للنقاش، مشتغلاً على الهوامش الملتبسة. في جريدة «القبس» عام 1989، كتب سعيد: «نحن لا نواجه عدواً عادياً. نحن نواجه يهود إسرائيل الذين يمثلون بقايا المحرقة. وهؤلاء لديهم وضع أخلاقي خاص علينا أن نفهمه ونقدره ونتعامل معه بجدية». وكان قد طرح الأمر نفسه في مقالة بعنوان «أسس التعايش» في صحيفة «الحياة» عام 1977، فهاجمه محمد جابر الأنصاري بمقالة عنوانها «إدوارد سعيد: مراجعة أم تراجع؟». ورأى الأنصاري أن فكر سعيد قد تغير بسبب موقعه الحياتي والمعيشي والعملي، نتيجة المواجهة بين الفكر المجرّد والواقع المحيط.
ويقال إن مؤلفات سعيد منعت في مناطق السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، بعد موقفه الصارخ من اتفاقية «أوسلو» وابتعاده عن خط منظمة التحرير... فيما بقيت تباع في مكتبات إسرائيل! هذا بعض ما واجهه ذلك المثقف النقدي المتعدد الآفاق الذي بدأ حياته طفلاً نازحاً من القدس إلى القاهرة... ثم استقرّ في أميركا، أستاذاً للأدب الإنكليزي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا. ونال جوائز عدّة، آخرها جائزة سلطان العويس.