خرج محمد بكري منهكاً من المعركة التي يخوضها منذ أشهر، مع «عدالة» عبثيّة تدينه بسبب عمل فنّي يكشف ممارسات الاحتلال. محاكمة المخرج والممثّل الفلسطيني محمد بكري، تجري منذ 18 أيلول (سبتمبر) 2007، بناءً على دعوى أقامها ضدّه خمسة جنود إسرائيليين بتهمة القدح والذم، على خلفية «جنين جنين». والفيلم المذكور يسجّل، كما هو معروف، الفظائع التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال اجتياحه المخيم عام 2002. بعد صدور الحكم، يوجّه بطل «المتشائل» هذا الكتاب المفتوح إلى الرأي العام العربي والعالمي، من فوق صفحات «الأخبار»


مكره أخوك لا بطل، هكذا أخرجتُ أفلامي الوثائقية الثلاثة. أقول مكرهاً لأنّي ممثّل ولست مخرجاً. أقول مكرهاً لكنّي أحببتُ أفلامي الثلاثة كما يحبّ الأب أبناءه، مكرهاً لأنّي بهذه الأفلام كنت مجرد إنسان يدافع عن روايته الممنوعة (بشكل غير رسمي) في إسرائيل. لأنّ إسرائيل، منذ ستين عاماً، تروي روايتها المنافية والمناقضة لروايتي. أوّل أفلامي كان في 1998 عن خمسين عاماً للنكبة. ثانيها «جنين جنين» عن أهل مخيم جنين الذين يحاكون العالم عما جرى لهم أثناء الاجتياح الإسرائيلي في أبريل 2002، والأخير «من يوم ما رحت» يتناول ما جرى لي ولنا نحن الفلسطينيين منذ غياب صديقي ومعلّمي الأديب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي. حيث أزور قبره وأحاكيه مناجاة الصديق للصديق عما جرى منذ أن رحل عنّي باقياً فينا في حيفا بلده الحبيب.
منذ صدور «جنين جنين» في 2002، منعته الرقابة الإسرائيلية. وبعد سنتين، استطعت في محكمة العدل العليا الحصول على تصريح بإلغاء الرقابة عنه. وعلى مدار ستّ سنوات منذ 2002، يجرجرني خمسة جنود إسرائيليين في المحاكم الإسرائيلية بتهمة القذف والتشهير وطعن اسمهم «الطيب الذكر» ويطالبونني بدفع مبلغ مليونين وخمسمئة ألف شاقل تعويضاً معنوياً!
هؤلاء الجنود يدّعون أنّهم شاركوا في الاجتياح بصفة جنود احتياط!! هؤلاء الخمسة لا أعرفهم. ليسوا مذكورين في فيلمي بالاسم ولا بالصورة! يدعون أنّ «جنين جنين» جرحهم وأساء إلى سمعتهم! أخيراً وقبل أيام، صدر القرار برفض المحكمة دعواهم ضدي... لكنّها قالت أيضاً من بين ما قالت في قرارها إنّني لم أستطع أن أُثبت أنّ الفيلم حقيقي. وكان عليّ أن أجرجر أبطال الفيلم ليشهدوا في المحكمة الإسرائيلية أنّهم قالوا الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة! قالت أيضاً إنّني كذبتُ عندما قلت إنّني صنعتُ الفيلم بنيّة حسنة، بل على العكس بسوء نية! لكنّ «القانون» الإسرائيلي نفسه يحميني، لأنّ القذف والتشهير هو عام ضدّ كل الجيش الإسرائيلي، لا ضد هؤلاء الخمسة على الخصوص. والله شكراً أيها القانون الإسرائيلي! وأنا أتساءل: كن مكاني أيّها القارئ. جندي إسرائيلي يطلق النار على ممثلة مسرحية، هي زميلتي فلنتينا أبو عقصه. ماذا كان يجدر بي أن أفعل؟ لست جندياً مسلحاً لأدافع عنها بالسلاح، وجدتُ نفس حاملاً كاميرتي وداخلاً مخيم جنين بعد الاجتياح، لأنّ الجندي أطلقَ النار عندما كنّا نتظاهر ضد الاجتياح على حاجز جنين الشمالي «الجلمة». لقد قامت إسرائيل وقعدت من هذا الفيلم، وجنّدت كل سفرائها لتحاربه وتمنعه من الوصول إلى الشاشات العالمية، ونجحت! استطاعت بالضغط والتهديد أن تمنع عرض الفيلم الذي كان مبرمجاً في أوّل نيسان (أبريل) 2003 في فضائية arte. ما علينا.
أمّا العرب فناموا نيمة أهل الكهف، وروتانا تضج وتثور. لقد شوّهت إسرائيل سمعتي من على شاشاتها وصحفها، ومن على منابر الكنيست، واتّهمتني بالإرهاب... حتى أصبحتُ بنظر كثيرين لا أقلّ خطورة عن بن لادن. أنا الذي أحارب منذ 35 من أجل السلام. انظروا إلى تاريخي وأفلامي منذ أكثر من ثلاثين عاماً. شاهدوا «برايفت من وراء القضبان»، و«حنه.ك»، و«لا ماساريا ديلالودوله»، و«نهائي كأس العالم»، و«حيفا»... والمتشائل.
إضافة إلى هذا كله، أخرجت الآلة الإعلامية الصهيونية أعمالاً لا تحصى ضدي، ولم أتوجّه إلى المحاكم. كل جريمتي كانت إخراج أفلام ثلاثة دفاعاً عن شعبي... «مكره لا بطل». ثلاثة أفلام تعبّر عن وجهة النظر الإسرائيليّة وتردّ على«جنين»، بثّت على شاشات الاحتلال في البرايم التايم. الأول «دفاتر لجنود احتياط» (يظهر فيه ثلاثة جنود من الخمسة الذين قدموني للمحاكمة)، الثاني«الطريق إلى جنين» لمخرج باسم مزور فرنسي بيار ريهوف، والثالث لمخرج يهودي كندي بعنوان Jenin: Massacring Truth
بثت هذه الأفلام مراراً إمعاناً في عمليّات غسل الدماغ المنظّم... بينما فيلمي ممنوع ومهاجم حتى اليوم رغم انتصاري في المحكمة ثلاث مرات: مرتان ضد الرقابة الإسرائيلية والأخيرة أمام خمس بقرات مقدّسة... أقصد «خمسة جنود بواسل».
بإخلاص محمد بكري ـــــ ممثل