أغاني إحتجاج شرقيّة الهوى، وصوت جيل ما بعد الحرب في لبنان


بشير صفير

مهرجان «فوروورد» للموسيقى الذي افتتحه شربل روحانا قبل أسبوعين مع «فرقة بيروت للموسيقى الشرقية»، يتابع برنامجه في بيروت مع محطة ثانية، لا تقل جاذبيّة عن سابقتها. موعدنا الليلة هو مع زياد سحاب وفرقة «شحادين يا بلدنا». ولعلّها من الحفلات القليلة التي يقدّمها هذا الفنّان اللبناني الشاب ضمن إطار «رسمي»، وبرعاية أكثر جدية من إطلالاته السابقة. ماذا لو اغتنمنا هذه المناسبة لنحاول القيام بقراءة نقدية لمسيرته الفنية وقوفاً عند أبرز خصائصها ونقاط قوّتها وضعفها؟
زياد سحّاب ابن عائلة تشكّل الموسيقى عموماً، والتراث العربي خصوصاً، محور وجودها الأساسي، بحثاً وأرشفة وإتقاناً أكاديمياً وتنفيذاً. تأثر زياد حكماً بالجو العائلي وانحاز إلى هذا الفن، وإلى النمط الشرقي إجمالاً. ولم يبقَ أمامه لاحقاً سوى إثبات موهبته، مؤكداً أنها أكثر من مجرّد وراثة، كان يمكن أن تقوم على خواء إبداعي، فتكون تعدّياً على «الكار».
بعد دراسة العزف على آلة العود التي بدأت في المنزل العائلي، راح سحّاب يفتّش بتجرّد عن هويته الموسيقية. رسا أخيراً على الضفّة الأخرى للموسيقى الشرقية، تلك الحديثة المطلة على مجتمع اليوم، وتستمدّ حرارتها في الآن نفسه من شمس الأصيل. هكذا، أسّس عام 2001 فرقة «شحادين يا بلدنا» لأداء كلاسيكيّات الأغنية العربية، بالتزامن مع الريبيرتوار الخاص الذي أخذ يكوّنه مع الوقت، حتى بات كافياً ومتماسكاً وقائماً على حدة، وقادراً على التوالد والتجدد.
اعتمد زياد سحّاب الأغنية القصيرة، الثنائيّة الأبعاد لناحية المكوّنات، أي اللحن والنص الكلامي. إذ لا يعوِّل كثيراً على التوزيع الموسيقي، إلا بحدّه الأدنى المطلوب لتلوين اللحن وخدمة الكلمة. وغياب التوزيع لا يفرّغ أغنيته من قيمتها الجمالية. ففي ألبومه الأول «عيون البقر» (2004) يغنّي بمرافقة عوده وإيقاعات أحمد الخطيب فقط، وذلك لم يشكّل تفاوتاً في المستوى بين «عيون البقر» والألبوم الثاني «رح نبقى نغنّي» (2006 ــــ شاركت في الغناء المنفرد ياسمينا فايد) الذي وُزِّعت أغانيه بأسلوب بسيط. تكفي هنا أن المقارنة بين تسجيلَي أغنية «الوضع الإقليمي» التي وردت في الألبومين بتوزيعين مختلفين: الأول بسيط والثاني أكثر دسامة.
على مستوى التوجّه، انحاز سحّاب إلى الأغنية السياسية والاجتماعية. أغنيته تنتمي ــــ لا محالة ــــ إلى الفنّ الملتزم، عاطفيةً كانت أو وطنيةً أو وجدانيةً أو نقديّة أو عامة. من هذا المنطلق، كتبَ سحّاب نصوصه الخاصة، كما هي الحال أيضاً بالنسبة إلى النصوص والقصائد (المصرية في الجزء الأكبر منها) التي يختارها من شعراء هم أيضاً منحازون إلى الهمّ الإنساني مهما اختلف أسلوب تعبيرهم بين تهكّمي وثوري (أحمد فؤاد نجم، فؤاد حداد، صلاح جاهين...).
انتماؤه إلى جيل الحرب في لبنان، جعل منه لسان حال الشباب منذ أواسط التسعينيات، ومن القلائل الذين (ما زالوا) يجاهرون بيساريّتهم، وله طريقته الخاصة للإعلان عنها. إنه يساريٌ لا ينتقد اليمين... لا ينتقد إلا اليسار، ولم ينتهِ بعد، لأنه لم ينسَ أنّ النقد الذاتي هو سمة يسارية وجوهر التقدّمية الحقيقية («رسالة إلى الأمين العام»، «كذا كتاب»، «ما أنا بحب الرَّواق»...). والعمود الفقري في النصوص التي يكتبها سحّاب، هو إتقانه للعب على الكلام بذكاء وسخرية، من دون أن يأتي ذلك على حساب المعنى بهدف خدمة التركيبة. وهنا، تشكل أغنية «رسالة إلى الأمين العام» المثل الأقوى، فهي عبارة عن أبيات شعر دائرية الشكل (إذا صحّ الوصف)... إضافة أيضاً إلى «كذا كتاب» حيث اللعبة الكلامية (معطوفة على اللفظ) تكسر بشكل مبرَّر، وغير رخيص، التابوهات الاجتماعية، وتحقّق المعنى المراد. أما عموماً، فنصوص سحّاب هي من نوع السهل الممتنع والصريح، كأنّها أحاديث عادية من الحياة اليومية صَدُف بنيانها على مبدأ الجِناس.
أما على مستوى البعد الثاني لأغنية زياد سحاب، أي اللحن، فيمكن اختصار الموضوع بملاحظتين: أوّلاً، يملك الملحن الشاب موهبة لا بأس بها في خلق الجملة الموسيقيّة الجميلة، ما ينتج ألحاناً موفّقة جداً وأخرى أقلّ قيمة. وهو لا يعتمد خارج تلحين الكلام، مقدِّمات موسيقية طويلة، لمصلحة بدايات قصيرة ومكثفة، مرتجَلة أو مكتوبة. لكن نقطة الضعف تتمثّل من جهة في الجسور القصيرة بين جمل المقطع الواحد (نقصد الفواصل داخل المذاهب واللوازم) التي تكون في معظم الأحيان كلاسيكيّة جداً. كما تتمثّل من جهة أخرى، في اللجوء كثيراً إلى النوطتَيْن الأقوى قي المقام (Dominantes) عند القفلات.
وإذا كان زياد بلا شك مؤدّياً جيداً لأغانيه، عزفاً وغناءً، فإنّ صوته الصحيح تنقصه بعض الطاقة في الطبقات العالية.وربما كانت أبرز ميزة موسيقية لدى سحّاب، أنّه ينجح دائماً في تلحين الكلام المصري بالنَّفَس المصري، وفي تلحين الكلام المحكي اللبناني بنَفَسٍ خاص مختلف. إذ إنّ كلمته اللبنانية تحرِّره من المدرسة المصرية، ولا تلصقه بأيّ مدرسة لبنانية. ولا بدّ، في المصاف الأخير، من التوقف عند استقلاليّة هذا الفنان الشاب الذي يعتمد على موهبته وقدرته على صنع أغنية خاصة، بغض النظر عن مستواها، بدل اجترار التراث... من دون أن تشكِّل هذه الملاحظة ذمّاً بأحد، وخصوصاً مَن يعمل بأمانة في هذا السياق.
الليلة سيقدّم زياد مع «شحادين يا بلدنا»، فرقته التي أسّسها منذ سبع سنوات، حفلةً وحيدةً تشكّل مادة ألبومه المقبل الذي سيحوي التسجيل الحي لـ12 أغنية لم تصدر قبلاً جميعها من ألحان زياد (سبع قصائد منها للزميل الشاعر محمد خير، والبقية لفؤاد حدّاد، ريّان الهبر، زياد سحّاب، جمال بخيت). لكنّ الجمهور يعرف بعضها من حفلات سابقة. وتضم الفرقة إضافة إلى زياد سحّاب (عود وغناء)، أحمد الخطيب، سلمان بعلبكي وسامر زغير (إيقاعات)، بشار فرّان (باص)، غسان سحاب (قانون)، أحمد شبّو (كمان)، ريان الهبر (إلكتريك بيانو). كما يشارك في غناء منفرد كلٌ من ياسمينا فايد، هالة مصري وإيلي رزق الله.

8:00 مساء اليوم ــــ مسرح بابل (الحمرا) ــــ 01،744034