هيثم خزعل

تجرب أم عبد الله «الشحاط» وتسأل البائع عن سعره. «بسبعة آلاف، يا بلاش»، تجيب الزبونة «لا أملك سوى خمسة آلاف»، يطأطئ البائع رأسه إيجاباً ويلتقط الخمسة آلاف التي قذفتها من الطبقة الثانية، فيقبلها قبل أن يضعها في جيبه «استفتاحية مباركة». تنظر النسوة إلى ما ابتاعته جارتهن «والله لقطة». يتركن فناجين القهوة ويهرولن على الدرج نحو العربة التي عكّرت بقدومها هدوء الحي الصباحي. تتجمهر النسوة حول العربة والبائع، إحداهنّ تنادي أولادها، وأخرى جيرانها، فالبائع لا يأتي كل يوم. وهكذا يبدأ البازار وتعلو الأصوات في محاولة خفض الأسعار. أبو خالد هو بائع الأحذية المتجوّل الذي يجوب الأحياء يومياً بحثاً عن زبائن جدد.
ومن يبتع حذاءً من العربة لا يتورّع عن قياسه في الشارع أمام المارة، فهنا لا يوجد مكان للقياس. تلك المرأة تجرب حذاءً على الخرقة التي فردها أبو خالد على الأرض، وأخرى على حافة الرصيف، وأخرى تُجلس ابنتها على كرسي حديدي صغير بقرب العربة لتقيس لها حذاءً «في ظلّ غلاء هذه الأيام، لا نقدر أن نبتاع حذاءً بأكثر من خمسة آلاف ليرة».
بعض النساء يشترين من العربة لرخص أسعارها، وبعضهن الآخر يستسهل مجيء المحلّ لعندهنّ، فيغنيهنّ عن التجوّل في الأسواق المكتظة. ومن لا يجد طلبه بين الموديلات المعروضة يصف ما يرغب بالحصول عليه لأبو خالد ويوصيه بالحاح أن يأتيه به في الزيارة التالية للحي. الزبائن يختلفون أعماراً وذوقاً. فالنساء المسنّات يبتعن ما هو كلاسيكي أو دون كعب، بينما تختار صغيرات السن الأحذية ذات الكعب العالي وما هو «عالموضة». ويحاول أبو خالد أن يلبي أذواق وحاجات الجميع كي يظلّ «البائع المفضّل لدى أهل الحيّ». بعض النسوة يقدمن للبائع الماء والقهوة، وأخريات يسألنه عن أحواله وعن العائلة... أما الأولاد فبعضهم يفرح بقدوم العربة، فيما ينزعج آخرون معترضين على اقتحام العربة مكان لعبهم من دون سابق إنذار!
أبو خالد الذي امتهن تجارة الأحذية منذ ثلاثة عشر عاماً، لم يقدّر له أن يمتلك محلّاً فكانت العربة متنفساً لتحقيق الحلم وتأمين لقمة العيش. يستيقظ في السادسة من كل صباح، يدلّل عربته ويمسح عنها الغبار. يلمّع أزواج الأحذية ويرتبها كي تغري الزبائن. ينطلق بعربته في الثامنة صباحاً في رحلة البحث عن الرزق في أزقة الضاحية. فهو يبيع يومياً ما يتراوح بين خمسة أزواج وعشرين زوجاً، أما الربح فيتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف ليرة. أبو خالد ليس بحاجة لأن ينادي على بضاعته، فمنذ أن تطلّ عربته في أول الشارع يتحوّل المشهد إلى كرنفال متنقل بين أزقة الضاحية الجنوبية لبيروت.