رنا حايك

سائق التاكسي يعمل طوال اليوم، يتقاضى تعرفة زادت خلال الأسبوع الماضي لتصبح ألفي ليرة، فتفاقمت سوء علاقته بالركاب الذين يرون الزيادة ذنبه، ومع ذلك، يتوصل بصعوبة لتوفير معيشة بالكاد تكون لائقة لأسرته. لم يقرأ هذا المواطن كتباً في الاقتصاد ولا طالع أدبيات الماركسية ـــ اللينينية، لكنه يعرف الفرق بين القطاع العام والقطاع الخاص، وقد توارد إلى مسمعه من قبل مصطلح «الدعم الحكومي للسلع الأساسية»...
خلال التنقلات القصيرة في مناطق بيروت، يمتدّ المشوار ليتّسع لحديث معمّق مع السائق الذي يعتذر عن الزيادة التي طرأت على الأجرة، ويشكو من الغلاء الذي وقع على الجميع لا على الراكب فقط. بعدها، ينطلق في عرض نظريته الخاصة عن موضوع الغلاء وتفسيراته الأقرب إلى «منطقه».
سائق 1: «الحق كله على الصينيين». فلطالما كانت الصين مرهقة تنوء تحت عبء كثافة سكّانها وفقرهم. هؤلاء قوم يمثّل الأرز الذي ينتجونه قوام الوجبات الثلاث التي يتناولونها خلال اليوم. إلا أن الازدهار الاقتصادي الذي شهدته الصين أخيراً، وفّر لأهلها «بحبوحة» مكّنتهم من توفير ثمن الحليب. إقبالهم على شراء الحليب هو ما رفع ثمنه في العالم، إذ لا تزال البقرة تنتج الكمية ذاتها، لكن الطلب ارتفع بشكل مهول على حليبها...
يعرض السائق 1 نظريته بتردّد، فهو «لا يفهم كثيراً في هذه الأمور، لكن صاحبه خبّره..».
أما السائق 2، فهو أكثر اطّلاعاً ويستمدّ تميّزه من تحييده لدور الدولة ودفاعه عنها. السائق 2: «شعبنا يلوم الدولة دائماً وهو لا يسمح لها أن تقف على رجليها». ويضيف «لو الشعب بيحب الدولة فعلاً، ما كان عمل قطاع خاص يفوق القطاع العام قوة».
تدخّل سريع للراكب: عفواً سيدي السائق، أتدعو للاكتفاء بالقطاع الخاص؟
السائق 2: كلا، أنا مع الاقتصاد الحر، لكن على الدولة أن تدعم بعض السلع الأساسية. إنما كيف تدعم وهي فقيرة؟ المواطنون يسرقونها فهم يسرقون الكهرباء مثلاً. تدخل ثان للراكب: ولمَ تكون فقيرة ولديها كل هذه الأملاك؟ من يستفيد من الأملاك البحرية مثلاً؟
السائق 2: صحيح. لكن المشكلة إنو ما فيه دولة، فيه زمرة حاكمة تعتمد أسلوب «حكّلي تحكّلك». وهي زمرة نستأهلها، فـ«كما تكونون يولّى عليكم».. ولو كان هناك إنماء متوازن منذ 1943، لما كنا قد وصلنا إلى هنا...
المشكلة أيضاً أننا بلد لا يصنّع حتى عود كبريت، لو كان لدينا بعض الاكتفاء الذاتي لما ارتهنّا للخارج لهذه الدرجة.
ينزل الراكب «اليتيم» في المحطة المتفق عليها، ففي هذه الأيام، قلما يشاركه راكب آخر سيارة الأجرة، لأنه، بحسب السائق الذي يتذمر من كثرة السيارات التي تقتنيها العائلة الواحدة، «الناس ما عم تضهر لإنو ما معها مصاري!».