strong>مايا جاموس«وعكة عابرة» هو عنوان مسرحية تقدّم في سوريا منذ عام 2003. وآخر عرض لها كان خلال «مهرجان الكوميديا» في اللاذقية الشهر الماضي، وسيعاد عرضها قريباً في عدد من المدن السورية وفق ما قاله المخرج فايز قزق.
المسرحية التي تشارك فيها مجموعة (24 ممثلاً وممثلة) من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، تقدّم صورةً عن التغييرات التي أصابت المجتمع السوري من خلال قصة ربّ أسرة يصاب بـ«وعكة» فيُنقل إلى المستشفى. هناك، يتوافد أبناؤه وبناته وأصهاره وكنّاته للاطمئنان إليه، بينما تبدأ مشاكلهم بالظهور، حتى تصل أقصى حدودها: الاشتباك والضرب.
يلتمس العرض خطّين أساسيّين للصراع وتحليل الأزمة التي لحقت بالأسرة ـــــ المجتمع. الأوّل يتجلّى في السلطة الذكورية من خلال علاقة الأزواج في ما بينهم: ليلى وزوجها عبد اللطيف، فلك وزوجها عباس، إبراهيم وزوجته، بل حتى مسلّم المعقّد والخانع يهيمن على زوجته. نحن إذاً أمام مجموعة ذكور شرقيين مستبدين، بما يحمله هذا المفهوم من موروث وقيم تبرره، يتجاوز شكل العلاقة بين الذكر والأنثى إلى مفهوم يحكم حياة الأسرة ـــــ المجتمع، إنّه مفهوم الاستبداد، كلٌّ يسعى إلى الاستبداد بالآخر.
يفجّر الطمع بالمال الأزمة في العائلة بين القديم والحديث، وهو الخط الثاني الذي يتناوله العرض. إذ تتكشّف الشخصيّات (الإخوة) عن طمّاعين بإرث الأب قبل مماته. وفي خلفية المشهد، يبقى ربّ الأسرة و«عميدها»حاضراً، متجاوزاً دوره كقوة استبدادية بطريركية على مستوى الأسرة، ليمثّل السلطة السياسية التي تحاشى العرض الخوض المباشر في تأثيرها. هكذا، لا يظهر الأب إلا في مشهدين: الأول هو لحظة دخوله المستشفى، محمولاً على أكتاف الأبناء في مشهد ساخر، يظهر فيه مذهولاً وعارياً إلا من ملابسه الداخلية. أما المشهد الثاني فيتجسد في تلقّي الأسرة خبر رسوب الابن الأصغر. إذ يظهر الأب جالساً على كرسيه مزيناً بالأوسمة محاطاً بأولاده الذين يقبّلون يديه ويدلّكون قدميه. ورغم قلة عدد المشاهد التي يظهر فيها الأب، إلا أنّه يبقى الشخصية المحورية المتحكمة في كلّ التفاصيل حتى وهي غائبة.
يتصاعد الصراع في الأسرة بين معارك جزئية أو كلية، حتى يبلغ حد أن ينهش الإخوة بعضهم، الأب يموت في الظل وهم ينكشفون تدريجاً: نفاق وكذب وطمع وتفكك واستخدام وسائل غير أخلاقية، ليتبين أنّه لا أحد منهم يريد جدياً التبرّع بالدم لأبيه، إنّما الكلّ ينتظر وفاته للتحرر من سلطته وفرض سيطرته مكانها. والجميع بالطبع ينتظر حصته من الكعكة.
هذه هي الحكاية الأساسية، لكن حكاية أخرى ثانوية تتخلّلها من خلال شخصيتَي تركي وأبو محسن المريضين المقيمين في المستشفى، مقدمةً صورةً عن الدمار الذي لحق بهذه المؤسسة كنموذج عن مؤسسات المجتمع، ومظهرةً النتائج السلبية لتراكم العمل البيروقراطي وترهّله. هكذا، بدت الشخصيتان منسيتين، مؤبدتين في المستشفى، بينما تأتي شخصية الطبيب كشخص محايد بارد غير معني بمعاناة مرضاه.
وقد تميز الحوار ببساطته وعفويته وقربه من حديث الحياة اليومية، بعيداً عن المباشرة، رغم تمحوره حول قضايا كبرى. أما ديكور العرض، فبدا فقيراً، إذ اقتصر على كراسي خشبية ضمن الفضاء الواسع. وهذا الاقتصاد في الديكور سمح بتعرية الشخصيات وحواراتها وشدّ الانتباه إليها.