في معبد فان غوغ بحثاً عن الفردوس الضائع


حسين السكاف

تشهد أروقة مبنى البرلمان الهولندي في لاهاي حركة غير اعتيادية هذه الأيام، أبطالها عدد من الفنانين الذين يعرضون أعمالهم تحت عنوان «ديموقراطية الفن»، ومن بينهم إيمان علي خالد. اختارت الفنانة العراقية موضوع الحب والهمسات الداخلية للنفس البشرية كرسالة من رسائل الحرية المكتومة... خلط متعمّد لوجوه منفعلة تارة، ومستسلمة تارة أخرى، صور وأحاسيس مفعمة بالحب، الألم، الغضب، الحلم والسعادة، كل ما تكتنزه دواخل الروح البشرية التي اعتادت عدم البوح للآخر. لكن لدى التمعّن في الأعمال المعروضة، نجد أنّ كل تلك الانفعالات والمواقف انكشفت، وبان سرها بشكل متداخل، إذ اندمج بعضها بالبعض الآخر، كأنها سجّادة شرقية مشغولة بيد محترفة خبيرة بموروثاتها.
أعمالها المحتفلة بقصص الشرق وألوانه، يغلب عليها طابع حياتي لا يخلو من المشاكسة. قصص الحب ونقوش أيدي الحرفيين التي غابت منذ زمن عن الصناديق والوسائد وحتى جدران البيوت الشعبية. فإيمان هي ابنة البيوت البغدادية البسيطة العابقة برائحة الحياة والالفة، وألوان النقوش الدالة على قدم الإنسان وعفويته. منذ البداية، تأثرت بأعمال الهولندي فان غوغ ومن ثم غوغان، لتصبح البلاد الواطئة ــــ هولندا ــــ فردوسها الفني. وكثيراً ما فكرت في زيارة هذا البلد الحلم، لكنّ الأقدار شاءت أن تقيم في بلد الأمنيات الفنية، لا كزائرة، بل كمكانٍ تحوَّل من حلم إلى منفى تقبع فيه حتى الآن. تقول إيمان: «منذ المراحل الأولى لدراستي الفن التشكيلي، رحت أطّلع على تجارب الفنانين العالميين التي أدهشتني وزادت من تعلّقي بفن الرسم، مثل غوغان، وخصوصاً فان غوغ الذي نقلت أعماله كثيراً وقلّدتها. لقد كان وما زال أستاذي الذي أحببت، أزور متحفه باستمرار. منذ وصولي إلى هولندا، كان أول متحف زرته، وقد دخلته برهبة وخشوع كأني أدخل معبداً». من هنا، يكتشف الناظر إلى أعمالها أنّ ثمة لمسات تذكّرنا بأعمال ماتيس الذي كان هو الآخر متأثراً بفان غوغ وغوغان.
في لوحات إيمان، تبدو الأفواه مطبقةً أو مكتومةً، وكذلك العيون، كما في «همسة شرقية» (80 * 80 سنتم) حيث تبدو أجفان المرأة الرمز مطبقة، لكنّها مع ذلك مزخرفة وجميلة، كأنها تعبّر عن بعض الأحلام الشاردة التي راودت أصحابها ولم يجرؤوا على البوح بها. فهم مثلنا، يقمعون مخيّلتهم حتّى من نعمة الحلم! تأخذ العين دوماً شكل السمكة كما في الكتابة المسمارية التي تدل على السفر أو الإياب حسب اتجاهها. تدلّنا على ذلك النقوش في طرفي العمل العلوي والسفلي اللذين لا يشكلان مشروع زخرفة أو إضافة مسحة فنية، بقدر ما يسترشد بهما المشاهد على مضمون العمل وأسلوبه. تلك النقوش السومرية التي يتمثل بها الطير والسمكة والقلب وشمس بابل وقمرها. والملاحظ أنّ أغلب أعمال إيمان تأخذ الحجم المربع، كأنّها تعبير واضح على أنّ العمل ينتمي إلى فعلة إنسانية صرف. فالشكل المربع المنتظم هو الشكل الهندسي الوحيد الذي لا تصنعه الطبيعة.
للفنانة الكثير من الأعمال المتوزعة في دول العالم: من العراق والأردن حتى اليابان وأميركا، مروراً بإسبانيا وسواها. كما أنّ بعض الأعمال تعرّضت للتخريب والحرق بعد احتلال العراق وانتشار الفوضى والسرقة. هكذا دُمرت لوحة «نزهة سومرية في القرن العشرين» (80*120 سنتم ــــ 1988) التي كانت قد حازت جائزة الواسطي عام 1989، وكانت من مقتنيات «مركز الفنون».
ويلاحظ المتابع لتجربة إيمان الفنية، أنّ الاختزال في الشكل وفلسفة اللون وتقنياته تحمل تأثيرات واضحة بتجارب الهولندي كارل أبيل وكوربيه، وحتى الدنماركي وفيلسوف جماعة الكوبرا أسكر يورن. ويتضح هذا التأثر في لوحة «حالة» (120*120 سنتم) الموجودة في متحف مشيغان في الولايات المتحدة. تظهر اللوحة نصف الوجه الأبيض بفمٍ مفتوح وعين فزعة أمام أصابع سوداء تشبه في تكوينها أغصان شجرة محترقة. بينما الوجه الآخر في الخلف يضجّ بالألوان، تضلّله أغصان نباتات مفعمة بالحياة. هكذا، نتبيّن ظاهر الإنسان ودواخله، في عمل واحد معتمدين على حرفية الفنان وثقافته في التنفيذ وتقنية اللون.
عندما كانت إيمان تقلِّب بقلق فكرة الخروج من بلدها العراق في التسعينيات، وجدت نفسها من دون تخطيط سابق أمام لوحة ناصعة جاهزة للعمل بقياس ( 60x75 سنتم ــــ 1993). وبدأت تشتغل حتى اكتمل العمل ليأخذ عنوان الحالة التي كانت فيها، أي «قلق لحظة القرار». أظهر اللوحة امرأةً مزيّنة، يعتلي رأسها تاج ملكي، شاحبة وواهنة، كأنها قد نُسِيَتْ. تقول إيمان عن هذا العمل: «هكذا نرى أنفسنا، ملوكاً متوّجين عندما نكون بين أهلنا وأماكن ذكرياتنا. وحين نكون في صراع مع النفس لنتخذ قرار ترك كل شيء، الأحلام والذكريات والوجوه وحتى الروائح، يسيطر الشحوب والفزع والقلق على ملامحنا». نقول لها إنّ هناك متعة أكبر عندما نتصوّر أنّ العمل يمثّل حبيبةً مهجورةً، بينما تلك السيجارة بين السبابة والوسطى تشير إلى أنّ هناك إصبعاً سادساً من أصابعها قد اختفى، وهو الإبهام. ويبدو ذلك إشارة ذكية إلى ذكورة مستحوذة على تفكير المرأة، وترقّب اللقاء، وهو ما جعل من عينها تتسع ليتسع معها زمن الترقب... فتجيب إيمان: «المنفى ذكر، والديكتاتور ذكر، وكذلك الموت والسفر»!
www.imanalikhaled.com



عن الذكورة والأنوثة

لطالما استحوذت ثيمة «ثنائية الرجل والمرأة» على أعمال إيمان علي خالد، فراحت تلتقط المشاعر الدفينة للنفس البشرية من انفعالات وأحاسيس مكبوتة وغيرها. لكنّ المرأة في لوحات إيمان هي أكثر إشراقاً من الرجل. هذا ما تُفصح به الألوان المستخدمة في أعمالها حيث تَمنح المرأة نقطة ارتكاز العمل وجوهره. وكثيراً ما تستعير صفات الطيور لتوظفها في التمييز بين الجنس الذكوري والأنثوي من خلال لون الأنف كما في «تأمل» (80*90 سنتم). في هذه اللوحة، تأخذ المرأة طابع النبات المزهر ورموزه المسالمة. الفم زهرة حمراء لم تتفتح بعد، فيبقى سرّها طيّ الكتمان، والعينان محتفلتان بزخارف الأمل ونقوش الموروث الضارب في القِدَم. وفي عمل آخر حيث المضمون يناقض ما جاءت به «تأمل»، نجد في «علاقة» (40*50 سنتم) المرأة مشرقة الألوان على رغم حركة الكفين اللتين تحاول أن تغطي بهما وجهها علامةً على الخجل أو الدهشة، كأنّها عروس تتلمس الرجل لأوّل مرة. وهذا ما تشير إليه تشكيلة الأظافر التي لا تتشابه في ما بينها، كأن كل إصبع يتحسس مكاناً معيناً بمعزلٍ عن الآخر. بينما الرجل الذي ما زال غريباً عنها بلونه الأزق يحاول أن يسيطر عليها بأصابعه الزرقاء التي ظهرت بأظافر مختلفة أيضاً، من خلال اشتباكها بأصابع المرأة.