دمشق ــ خليل صويلح

الفترة التي عاشها بين جدران هذا الاستديو (1992 ــــ 2000)، علّمته شغف الصورة على خلفية دراسات خاصة وتجارب ذاتية في التصوير الفوتوغرافي. وفي حي باب السلام الشعبي، وفي غرفة على السطح، اكتشف جماليات الضوء المنبثق من شبابيك الجدران الطينية المائلة، وراح يسجّل انطباعاته اليومية بعدسة مفتوحة على حلم غامض وملتبس وآسر. فالسطح الذي يغصّ بطيور الحمام، كان أجنحته الأولى للتحليق بعيداً عن عالمه الضيّق، فراح يصوّر الأدراج العالية، والشبابيك المفتوحة، وأسوار الشرفات، ومقابض الأبواب، كأنه يرغب في توثيق الضوء في المقام الأول. هناك مشهد مغاير من الطفولة، يعدّه عمار البيك مفصلياً في علاقته بالكاميرا: أثناء انصرافه من المدرسة الابتدائية مع أقرانه، بوغت بمنظر مدهش، فوقف يتفرّج على تصوير فيلم للسينما. كان الفيلم هو «أحلام المدينة» للمخرج محمد ملص، وكانت المفاجأة أن يختاره ملص مع مجموعة من الأطفال ليؤدوا مشهد تظاهرة ضد جمال عبد الناصر، خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر. ولعل هذه المصادفة هي التي قادته لاحقاً إلى الانخراط في السينما. هكذا حقق فيلمه الأول «حصاد الضوء» (1997)، ونحو عشرة أفلام أخرى كان آخرها اشتراكه مع هالة العبدالله في تحقيق فيلم «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» (2007).
لكن السينما لم تشفه من حنينه إلى التصوير الضوئي، وها هو يعود إلى ملعبه الأول، ليقدم في معرضه الأخير الذي استضافته «غاليري أيام» في دمشق أخيراً، ما يشبه كشف حساب مع مرحلة. فهو ما انفك يزاوج بين الصورة السينمائية والصورة الفوتوغرافية، سواء لجهة استثمار المادة الأوّلية لأفلامه، أو لجهة استبطان موضوعات حيوية وراهنة عبر التجهيز، ومزج الأبيض والأسود بالألوان الأخرى. هكذا يستعيد صورة يوسف عبدلكي من فيلمه «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها»، في لقطة من الخلف أمام رقعة شطرنج. وفي إطار الصورة، تتوزع اسكتشات من أعمال عبدلكي، ومقاطع بصرية من مشغل الرسام في باريس. كما ينجز تجهيزاً آخر من صور فيلمه «القدس بوضوح»، بتكرار مشاهد من الشريط، وعمليات الإعداد والمونتاج. وعلى جدار آخر، يؤرّخ للحظة شخصية في صورة تجمعه مع كاترين دونوف في مهرجان فينيسيا/ البندقيّة السينمائي. إضافة إلى لقطات من فيلمه الجديد «لعبة فيديو»، تجمع 15 فناناً تشكيلياً سورياً، طلب من كل واحدٍ منهم الوقوف أمام الكاميرا مدة ثلاث دقائق من دون كلام. الصور الملتقطة في مراسم الفنانين، تضيء العوالم الداخلية لهؤلاء التشكيليين في لحظة مواجهة الذات، والتعبير صمتاً عما يعتمل في أرواحهم.
ومن ضفة أخرى يستعيد صورة بغداد تحت الاحتلال، في تجهيز بعنوان «مدن منسية»، وذلك بمزج تماثيل ومنحوتات قديمة تؤكد حضارة موغلة في القدم، مع وجوه منهوبة وحائرة، وأخرى منتهكة في تفصيل من سجن «أبو غريب»، على خلفية قصيدة لمظفّر النوّاب. هذا التضاد هو ما يشغل عمار البيك في معرضه: الضوء والظل، السكينة والضجيج، السمع والبصر، من مرجعية مغرقة في الأنا. إذ بالكاد تخلو صور المعرض من بورتريه شخصي للمصوّر، أو تفصيل من الوجه أو لقطة وراء الكاميرا.