strong>كيف نقلت وسائل الإعلام المكتوبة في الغرب، وفي إسرائيل، ما يجري في لبنان؟ وكيف مضت من دور المتفرّج إلى طرف في الصراع، بغية «أبلسة» حزب الله، والاصطياد في المستنقع العكر للحرب الأهليّة التي «لا يريدها لبنان... أليس كذلك؟»


صباح أيوب
ربما لم تكن تتوقع الصحافة الغربية، للوهلة الأولى، أنّ تتحوّل التظاهرة العمّالية يوم الأربعاء الماضي إلى عصيان في لبنان، ثم تمتدّ لتصبح شبه حرب أهلية جديدة خلال ساعات. لذلك غاب لبنان عن الإعلام المكتوب الفرنسي والأميركي والبريطاني في اليوم الأوّل الذي أعقب التظاهرة العتيدة، ولم تبدأ الصحف بالاستنفار والتغطية والتحليل، إلا يوم الجمعة.
بعدما كان الحدث اللبناني، خلال السنوات الثلاث الماضية، يتصدّر الصفحات الأولى في «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، تغطيةً وتحليلاً وتعليقاً، ها هو يتراجع ليرد ضمن «أخبار العالم» عبر إسهامات مراسلي تلك الصحف في لبنان. وبينما أشهرت كل الصحف تصنيف «المدعوم من إيران وسوريا» على «حزب الله»، و«المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية والسعودية» على الحكومة اللبنانية، تابعت «نيويورك تايمز» الحدث اللبناني من بيروت وواشنطن والقدس. إذ رصدت تحرّكات الرئيس الأميركي جورج بوش، ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، في «التواصل مع حلفائهما العرب للضغط على إيران وسوريا، لوقف ما يجري في لبنان». وقد أصرّت الصحيفة الأميركية على إيراد خبر من إسرائيل مفاده أنّه «رغم بعض التحرّكات المشبوهة التي رصدتها إسرائيل على حدودها الشمالية، تحفّظت عن إعلان ذلك كي لا تصبّ الزيت على النار»! كما أوردت «نيويورك تايمز» شهادات لبعض المواطنين اللبنانيين الذين تحدّثوا عن «حزب الله الكاذب الذي قال إنّه لن يوجّه سلاحه إلى الداخل»، وعن «سقوط قناع حزب الله الذي تبيّن أنه ميليشيا، لا مقاومة»... أما تغطية «واشنطن بوست»، فاعتمدت على أخبار مراسلتها في لبنان، وهي مراسلة قناة «العربية» في الوقت نفسه. لذا، جاءت المتابعة باللهجة نفسها التي انتهجتها «العربية»، مع التركيز على الوجوه نفسها: مصباح الأحدب، سمير جعجع ومي شدياق...
الإعلام الفرنسي المكتوب، وإن غاب جزئياً في اليوم الأول عن أحداث لبنان، تميّز باهتمام ومتابعة كبيرين في الأيام التالية. «ليبراسيون» و«لو فيغارو» استخدمتا القاموس نفسه: «حصار بيروت»، «انقلاب حزب الله» و«الميليشيا المدعومة والمسلّحة من إيران»، مع تبيان عدم تكافؤ ميزان القوى بين «حزب الله» و«القوى السنّية» في بيروت. وقد اعتمدتا على مقابلات مع محللين سياسيين منحازين بوضوح ضدّ سياسة «حزب الله»، وعلى تصريحات بعض السياسيين اللبنانيين كمروان حمادة وغيره من أقطاب الموالاة. وخصّصت الصحيفتان افتتاحيتهما للحدث اللبناني (في عدد السبت). ورُسم الخطّ السياسي ـــــ التحريري بوضوح بعناوين مثل «نتيجة البطء في تقويض حزب الله» («ليبراسيون») و«حزب الله في حرب ضد لبنان، أو ما بقي من الدولة اللبنانية» («لو فيغارو»). من جهة أخرى، كان لافتاً إحاطة صحيفة «لو موند» بأحداث لبنان: إضافة إلى التغطية المدعومة بالتحليل الأقرب إلى الواقع السياسي اللبناني، خصصت «لو موند» فقرات أرشيفية عدة، خاصة بلبنان والأطراف المشاركة في أحداثه. وتضمّنت سرداً (عبر الفيديو أو النصوص) للأحداث اللبنانية. إضافة إلى «بورتفوليو» عن حزب الله والمعارضة والموالاة و«ثورة الأرز» وغيرها... كما ابتكرت الصحيفة زاوية خاصة للتواصل مع سكّان بيروت عبر روايات يكتبونها بأنفسهم، ويرسلونها إلى الجريدة: «هل تعيش في بيروت؟ هل تشعر بالضغط المتزايد؟ إروِ لنا ما عندك».
ومع هدوء الجبهة في بيروت أمس، تمكّنت «لو موند» من رصد ما سمّته «الإهانة السنّية» التي ستطبع عودة بعض الأهالي إلى العاصمة اللبنانية، بعدما أقفلوا محلاتهم وغادروا منازلهم في الأيام الماضية. إذ جالت على بعض أصحاب المحالّ الذين عادوا ليتفقدوا محالّهم، ويحاولوا فتحها لاستعادة دورة العمل الطبيعية... لكن الصحيفة استنتجت أنّ «هناك شعوراً عاماً بالأسف والإهانة والعودة الحذرة»!
أما الإعلام البريطاني... فاتسم بالبرودة الى الحدّ الأقصى. إذ حاولت كل من «غارديان» و«تايمز» عدم تسجيل غياب عن ساحة الأحداث الساخنة، فأتت تغطيتهما سطحية مع استخدام شعارات أقرب إلى الـ«كليشيه»، إضافة إلى الاستعانة بمحلل سياسي من تل أبيب («تايمز»). لكن ما أنقذ الغيبوبة الإنكليزية كان الـ«إندبندت» مع مراسلها في بيروت... الصحافي روبرت فيسك الذي مدّ الجريدة بمقال خبري تحليلي على طريقته الخاصة، عنوانه «لبنان لا يريد حرباً أخرى. أليس كذلك؟».
«حتى العدوّ الإسرائيلي لم يفعل ما فعله حزب الله في بيروت»، اقتنصت الصحف الإسرائيلية هذه العبارة المنسوبة إلى رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة من خطابه (يوم السبت الماضي)، و«هلّلت» بها في افتتاحياتها ومانشيتاتها في اليوم التالي. بينما بدا واضحاً الاهتمام الذي أولاه الإعلام الإسرائيلي للأحداث اللبنانية منذ اندلاعها، مستغلاً فرصة بروز حزب الله طرفاً أساسياً في ما يجري، ومحمِّلاً إيّاه مسؤولية الحصار والخراب والدمار. ورغم انكباب الصحف الإسرائيلية على خطاب السنيورة، واستخدامها بعض عباراته في مقالاتها، ذهبت بعضها، كالـ«جيروزاليم بوست» مثلاً في تحليلاتها إلى تجريد الحكومة اللبنانية من أيّة سلطة أو «فائدة»، واصفة إياها «بالسلطة العاجزة عن تأدية واجبها»، كما جاء على لسان نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية حاييم رامون. وفي الأجواء الحامية نسبياً على صفحات الجرائد الإسرائيلية، تميّزت المقالات التحليلية ومقالات الرأي بخطّ مشترك جامع هو التساؤل عن «من يمسك بالسلطة فعلياً في لبنان؟»، ليأتي الجواب الشافي سريعاً بأنّ «حزب الله، المنظمة الإرهابية، هو المسيطر الحالي الفعلي على كل لبنان»، حيث استعاد الصحافيون كلام رامون عن أنّ «لبنان يجب أن يعامل من الآن وصاعداً كدولة حزب الله». وقد مدّت معظم تلك الصحف أخبارها بتصريحات لأبرز قوى الموالاة اللبنانية، كتصريحات النائب وليد جنبلاط وكلامه لأنصاره بأن «يضعوا السلم الأهلي والتعايش فوق كل اعتبار». إضافة إلى مقابلة الوزير مروان حمادة لصحيفة «الشرق الأوسط» السعودية، إذ كشف عن مخاوف الدولة اللبنانية من شبكة اتصالات حزب الله. ولـ«شبكة الاتصالات» تلك حصّتها من المتابعة الإسرائيلية. إذ رأت صحيفة «هآرتس» أن تلك الشبكة «بنيت بطلب إيراني، وهي تمّكن إيران من التنصّت على المكالمات الهاتفية على الأراضي اللبنانية». من جهة أخرى، لم تغفل الصحف الإسرائيلية عن تحذير كل من الأردن والسعودية ومصر من أن «انتصار حزب الله في لبنان سيكون المحفز لبروز حركات إسلامية أصولية أخرى، كالإخوان المسلمين والقاعدة» («جيروزاليم بوست»)!
وربّما كانت ملاحظة الـ«تايم» التي نشرت حواراً مع وليد جنبلاط هي «اللمعة» التي يمكن أن ننهي عندها هذه الجولة. فقد ذكر مراسل المجلّة في لبنان، أطراف مكالمة تناهت إليه من خلف الباب فيما كان ينتظر للقاء زعيم المختارة، في منزله البيروتي. كان وليد بك يتحدّث إلى الرئيس نبيه برّي، ونقل عنه المراسل الكلام الآتي: «أنا محاصر في كليمنصو. قل للسيد حسن إنّه انتصر وأنا خسرت. فلنجلس ولنتفق على صيغة حلّ».