مساء الخميس الماضي، كان كل شيء ينذر بأن القلق والخوف سيخيّمان على لبنان، رغم ذلك كان عازف الكمنجة الإيراني كايهان كالهور ينتظر الجمهور في مسرح «دوار الشمس» عند مستديرة الطيونة. لكن اللبنانيين الذين اختبروا الحروب والاضطراب لم يأتوا. والذاكرة التي أراد مسرح دوار الشمس أن يمحوها عادت لتقض مضاجع الفرحين بالفورة الثقافية التي شهدتها بيروت أخيراً. فقد أُنشئ هذا المسرح قرب مستديرة مثّلت خلال الحرب الأهلية خط تماس، وأُقيم «على أنقاض» مخبأ للأسلحة ليتحوّل مركزاً ثقافياً جامعاً لفنون متنوعة ومواهب تجاربة شبابية متميزة، وليكون نافذة للبنانيين يتعرفون من خلالها إلى تجارب عربية وعالمية في المسرح والموسيقى والرقص المعاصر والفنون التشكيلية وغيرها.

وكان هذا الجمهور على موعد مع الدورة الثالثة من «مهرجان الربيع» الذي كان من المقرر أن يستمر إلى 24 الشهر الجاري، ليكون محطة جديدة أو جسراً ثقافياً جديداً بين بيروت والقاهرة، إذ يشارك في تنظيمها «المورد الثقافي» في مصر وجمعية «شمس» اللبنانية.
لكن الرياح السياسية والأمنية في لبنان جرت بعكس ما اشتهى منظمو المهرجان وجمهوره، وتوقّف تقديم العروض في المرحلة الحالية، وأعلن أعضاء الجمعية اللبنانية أنه سيجري «استئناف العمل فور انتهاء أسباب هذا التوقف».
«خمسون» مسرحية الفاضل الجعايبي وجليلة بكار كانت افتتاحاً للمهرجان قبل الافتتاح الرسمي، وأثبت من خلالها اللبنانيون أنهم «تصالحوا» مع المسرح، فقُدمت ثلاثة عروض. وفي الأول من أيار كان الموعد مع المفكر المصري نصر حامد أبو زيد في محاضرة عن «الفن وخطاب التحريم»، وفي اليوم التالي رُفعت الستارة عن عرضي «فلامنكو»، بالرقص قالت اللبنانية يالدا يونس «لا» للحرب، ثم أطلت الإسبانية باستورا غالفان. في 3 أيار كان الموعد مع الموسيقي الأذربيجاني عاليم كاسيموف وفرقته، وعندما غادر الجمهور قاعة المسرح لم يكن يتوقع أن الأزمة التي ستشتد في لبنان قد تنسي الحاضرين ذلك الصوت الملائكي يشدو غناءً صوفياً.
الأسبوع الثالث من المهرجان لم يأت في موعده، وإعلان «مباشرة العمل» يُعدّ أملاً للجمهور بإمكان اللقاء، في وقت قريب ربما، بالموسيقي الفلسطيني سيمون شاهين وعازف الإيقاع اللبناني روني براك، وفي البرنامج أيضاً عرض راقص لنانسي نعوس وفرقة 4120 بعنوان «لحظة سقوط»، وعرض سمعي لكريستيل فرانكا بعنوان «لعبة عبور»، وحفلة لفرقة «فريشلي جراوند» من جنوب أفريقيا، وكان المغربي خالد بن غريب سيقدم عرض رقص معاصر، وكانت الكاتبة المصرية المقيمة في بريطانيا أهداف سويف ستلقي محاضرة عن «فلسطين: ذكريات واكتشافات»، ولم ينسَ المهرجان الصغار، فبعدما تابعوا «عربايتنا» كان من المفترض أن يشاهدوا «جنانا ... حكاياتنا».
لن تضاء الأنوار في المراكز الثقافية هذه الأيام، سوف تستسلم خشبات المسارح للوحدة والعتمة بعدما انتفضت لتقاوم التوتر المهيمن على البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات. والأسوأ أن هذا الصمت قد يمتد ليطال النشاطات المقررة في الذكرى الستين لنكبة فلسطين، فالمعرض الذي كانت ستشارك جمعية «شمس» في إقامته مؤجل، وندوة المجلس الثقافي الجنوبي في هذه المناسبة مؤجلة أيضاً.