strong>من هوميروس إلى شكسبير، ومن تولستوي إلى هينرش بُل


أنهكت الحروب العالم وأنعشت الأدب. على قرع الطبول، يأتي دائماً من يرصد المعاناة الإنسانيّة، ويسجّلها في قلب الطوفان أو بعد انقضائه. أما أهل الضاد، فاكتفوا غالباً بالبكائيات والشهادات. ورواية الحرب اللبنانيّة ما زالت تنتظر من يكتبها

نوال العلي
خاض الناقد الفرنسي نيكولا بوبريه تجربة ليست بالسهلة، عندما وضع في عمله «الكتابة في الحرب، الكتابة عن الحرب» (2006) نقداً مقارناً بين الأدب الفرنسي وذاك الألماني إبان الحرب الكبرى، مثيراً تساؤلات عن وظيفة «أدب الحرب» زمن وقوعها.
للتوصّل إلى جواب، وضع بوبريه ثلاث زوايا للنظر في «أدب الحرب» هي: ممارسات الكتابة، تمثلاتها وتفسيراتها. في ما يخصّ ممارسات الكتابة، ذهب بوبريه إلى تحليل التعبئة الأدبية أو «النفير» الذي يشبه وضع الوردة في البندقية. إذ لطالما رفعت أيدولوجيات، ونُكِّل بأخرى، من خلال هذا النوع من الأعمال. ولعل الأدب العبري خير مثال على ذلك، علماً بأنّه أخذ في الاعتبار أهمية البعد الجمالي في الكتابة، إذ خفّض صوت الشعاراتية المباشرة الذي كثيراً ما علا في أدب الحرب العربي، وخصوصاً في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم.
أما تمثلات الكتابة فتتجسّد في تمثّل المبدع لذات البطل والضحية، وإن كان من الجبهة المنتصرة، إلا أنه ضحية عدو دفعه إلى اتخاذ موقف العنف، ناهيك بتمثل العدو بصورته البربرية. ويلعب «أدب الحرب» دوره في تبرير مواقف الحروب، مقدماً إياها بصورتها الدفاعية، ما يسوّغ تصرّفات أبطال العمل الأدبي مهما بلغ العنف فيها على المستوى المعنوي أو المادي. كما ارتبط أدب الحرب عموماً بتمرير الأمل، والنصر القادم، موطداً من مفهوم التضحية وارتباطها بالموت، وتصوير البطل الميت على أنّه حي بشكل أو بآخر.
أطروحة بوبريه التي خلص فيها إلى نتائج عن مفهوم الحرب في الأدب، والعكس أيضاً، وأمسك عصب ثقافة الحرب برمتها في فرنسا وألمانيا، تغري بدراسة مشابهة بين الأدبين العربي والعبري. إذ تبدو الفكرة كأنّها تفرض نفسها وتعطي مادةً للمواجهة مع منطق التفكير في الحرب، والاقتراب من تحليل الزمن الفعلي لوقوع الهزيمة أو النصر. كما تفتح باب التساؤلات عن اختلاف الكتابة، إذا كان صاحبها ابن المعسكر المهزوم، عن ذلك الآخر القادم من منطقة النصر والقوة. وإذا كانت ألمانيا هُزمت في الحرب العالمية الثانية، فاليابان أيضاً هُزمت. لكنّ الأدب الذي قدمه الألمان بعد عام 1945 كان مختلفاً، ولم ينكر المبدع الألماني أنّ بلاده تسببت بمعاناة الملايين حين اجتاحت الشعوب المجاورة، كأعمال هنريش بل «القطار كان في وقته» و«صورة جماعية مع امرأة». اليابان أيضاً حذت حذو ألمانيا في الحرب، لكنها لم تقدّم أدباً عن اجتياحها لكوريا والصين، بينما لم ينسَ مبدعوها أبداً ذكرى قنبلتي ناغازاكي وهيروشيما... ومن أشهر الأعمال التي تناولت الكارثة «أزهار الصيف» لهارا تاميكي و«مدينة الجثث» لأوتا يوكو.
كذلك هي الحال بالنسبة إلى أدب الحرب الأهلية الأميركية التي صوّرها الكاتب الأميركي الشمالي مختلفةً عن ابن الجنوب المهزوم. أعمال مثل «ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشيل، أو «الموجة» لإيفلين سكوت، أو حتى قصائد هنري تيمورد، تناولت ثقافة صمود أهل الجنوب ومحاولة البقاء على قيد الحياة، وتفاصيل الخسارات المادية والمعنوية التي منوا بها، وانعكاسات ذلك على بنيتهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. وقلما تطرق هؤلاء لتفاصيل الحرب والأفكار التي كانت وراء حدوثها.
تلك كانت مجرد أمثلة تساق للوصول إلى اقتراح دراسة العقل الأدبي العربي، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بـ«أدب الحرب»، وكثيراً ما زعم مبدعون أنّه ليس موجوداً أصلاً في الإنتاج العربي.
كانت هزيمة 67 بطلة هذا الأدب منذ وقوعها، ودارت أعمال كثيرة في فلك تلك الهزيمة وما تلاها، حمل بعضها توقيع غسان كنفاني، إميل حبيبي، جبرا إبراهيم جبرا، صنع الله إبراهيم، سحر خليفة، ليانة بدر، إبراهيم نصر الله... في حين تلكأ المبدع العربي في الكتابة عن حرب أكتوبر التي «حقّق فيها العرب أولى انتصاراتهم منذ النكبة»، حسب الخطاب الرسمي على الاقلّ! بل تجنّب مبدعون كبار الخوض فيها مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم، ما يمكن تبريره بتوقيع اتفاقية السلام التي تلت الحرب وخيبت أمل المثقف العربي قبل أن ينتشي ببهجة النصر، ويدبّج فيه الروايات والقصائد كعادته.
ومن الأعمال التي تناولت تلك الحرب «الرفاعي» لجمال الغيطاني، و«المرصد» لحنّا مينه... وطبعاً سلسلة روايات يوسف القعيد الذي كان جندياً في الحرب، فكتب منطلقاً من تجربته الشخصية «الحرب في برّ مصر» و«في الأسبوع سبعة أيام» وغيرها. ما يحيل إلى الالتفات لضرورة من ضرورات أدب الحرب، وهو معايشة تجربة الحرب نفسها والانخراط فيها، ولمس حقيقتها باليد إن جاز التعبير.
هل يمكن مقارنة ما أنتجه الإبداع العربي بروايات مثل «الحرب والسلام» لتولستوي، أو «أفول القمر» لشتاينبك، أو «الدون الهادئ» لشولوخوف، أو «والفولاذ سقيناه» لأوسترويفسكي... أو حتى قصائد بول أيلوار ولوركا وإزرا باوند ونيرودا التي كانت قطعاً حيّة من الحرب نفسها؟ إذا كان «أدب الحرب» على هذه الشاكلة، فلا يمكن القول إنّ هناك أعمالاً عربية يمكن أن يطلق عليها هذا المصطلح. ربما لأنّ المنطقة العربية لم تخض حروباً طويلة مثل تلك التي خاضها العالم، أو ربما لأنّه قلما شارك الكاتب العربي بنفسه فيها مثل أولئك المبدعين.
لهذه الأسباب وغيرها، جاء أدب هزيمة 67 مثلاً أقرب ما يكون إلى رد فعل وحالة من التباكي. فلم يُكتب بنفس ملحمي لتأريخ تجربة غيرت خريطة المنطقة، ولم يُعد بناء الزمن الفعلي للصراع، بل كان أدباً ميالاً إلى إحصاء الخسارات والاستجابة لها. والحديث هنا عن أدب الحرب الذي يختلف عن أدب المقاومة، لكون الأخير يميل إلى الشعر أكثر منه إلى السرد، لما يوفره الأول من مناخ التأثير العاطفي السريع، وتزخر به المكتبة العربية بلا شك.
أما التجربة اللبنانية، فمسألة مختلفة. الرواية اللبنانية الحديثة كانت وليدة الحرب الأهلية، واحدة من أطول الحروب التي عاشتها المنطقة، إذ كان الشعر قبلها يتسيّد المشهد الإبداعي في بيروت. ورغم ذلك، فالقول إنّ رواية الحرب اللبنانية لم تكتب بعد، ليس أمراً بعيداً عن الواقع. كتب الياس خوري «الجبل الصغير» (1977) بعد عامين من اندلاع تلك الحرب. ولاحقاً كتب «رحلة غاندي الصغير» (2000)، مثلما كتبت حنان الشيخ «حكاية زهرة»، وقدم صنع الله إبراهيم عمله «بيروت بيروت». إضافة إلى تجارب إملي نصر الله وهدى بركات وحسن داوود ورشيد الضعيف وغيرهم.
كمٌّ هائل من الروايات سردت الكثير عن الحرب، فهل أخضعت هذه الأعمال النص للسياق، أم ذهبت إلى ما هو أبعد من الظرف؟ وهل هي «أدب حرب»، أم ما أطلق عليه بوبريه بـ«أدب شهادات حول الحرب» الذي يوقع الكاتب في صراع مع ما قد تسيء الذاكرة فهمه أو تسقطه وحول تحديد الهوية، والموقف منها ومن هوية الآخر؟
على أي حال، لقد أنهكت الحروب العالم وأنعشت الأدب، منذ أناشيد أور البابلية، وأشعار هوميروس، ومسرح شكسبير، حتّى روايات الحربين العالميتين، ظلت الحرب موضوعاً حياً للإبداع لا يخفت بريقه، رغم تراجع أثر الكتابة عن الحرب لصالح الفنون البصرية التي تربّعت حقّاً على أساليب التعبير الفنية الحديثة.



«الهويّات القاتلة» ولغة موليير

إذا كان أمين معلوف أشهر مَن كتب بالفرنسية من اللبنانيين، فإنه أقلّ مَن تطرّق إلى الحرب الأهلية. لكنّها كانت جزءاً من كتابه «الهويّات القاتلة». ليس رواية، بل محاولة نظريّة، بضمير المتكلّم، تتناول نشوء الأصوليات ومنزلقات التطرف والعنف، وبحث في تعقيد الهوية الثقافية في مواجهة الآخر، بسبب الضغط السياسي والاجتماعي الذي يقود إلى الخلل في بناء الشخصية وحتمية اضطرابها.
أمّا «صخرة طانيوس» التي حصل عنها على جائزة «غونكور» الفرنسية، فهي عمل تاريخي هرب فيه معلوف إلى الجدل الديني في الجبل اللبناني في القرن التاسع عشر، متجنّباً الخوض في تاريخ الحرب اللبنانية، هو الذي غادر لبنان بعد وقوعها بفترة قصيرة.
لكنّ الحرب اللبنانية لم تغب عن الأدب الفرنكوفوني، كما تشير الكاتبة جوليا شميت في دراسة بعنوان «الحرب اللبنانية في الأدب الفرنكوفوني». إذ برزت في أعمال روائية من كتّاب لبنانيين وعرب أيضاً. وأشهرها «البيت البلا جذور» (1985) لأندريه شديد المصرية ــــ اللبنانية. وتحكي قصة جدة مهاجرة إلى فرنسا وحفيدتها المقيمة في أميركا، تلتقيان لأول مرة في لبنان سنة وقوع الحرب الأهلية، وتنتهي الرواية بمقتل الحفيدة في إحدى التظاهرات التي تدعو إلى السلام، كأنها بذلك تعلن بداية الحرب وموت فكرة التصالح في مهدها. وأثارت دومينيك إده اهتماماً واسعاً في «رسالة بعد الموت» (1989)، وفيه تتحدث عن تدمير بيروت الشرقية «باريس الصغيرة»، حيث تستدعي الرواية تفاصيل وذكريات بيروت الجميلة، بالتزامن مع وصف سقوط المدينة في خراب الحرب.
وكما هي الحال في يوميّات ومذكّرات الصحافيين والشعراء في الحروب، نذكر عمل ماري شختورة «ذكريات من أجل البقاء» (2007)، وأعمال أنطوان بولاد مثل «طريق الشام» و«عابر النهر»، وغيرها.
وأخيراً، إذا كان بوبريه تحدث عن النفير في أدب الحرب، فما كتب بعد الحرب في الأدب اللبناني، يشبه مذكرات جندي بعد تسريحه من الجيش، ومحاولة فهمه لما حدث. لكن كل تجربة خاضعة لمنطقها الأيديولوجي الخاص، إذاً فنحن ما زلنا ننتظر رواية حقيقية عن الحرب الأهلية اللبنانية. أما ما كتب خلالها فهو محض شهادة عنها.