يطل الفنان اللبناني الشاب، في معرضه الأوّل، عبر لغة تشكيليّة متعارف عليها. لوحته التي تحتفي بتفاصيل الطبيعة، قد لا تفاجئ بابتكاراتها، لكنّها تلفت بغزارتها اللونيّة وقوّتها التقنيّة... وباشتغال صاحبها على «ذهب الوقت» وتراكمات الزمن


نوال العلي

يريد الفنّان حسين بعلبكي (1974) أن يضع حداً لغياب الزمن في اللوحة. الالتزام باللوحة يعني الالتزام بالمساحة، إلا أنّ إخراج المجهول الصامت وتجسيد اللامرئي (الزمن) الذي لم يكن ليطرح كعنصرٍ فيها، يمكن اعتباره مجازاً للرؤى الصوفية. في «غاليري أجيال»، يفتتح معرض بعلبكي مساء اليوم: نحن أمام 21 لوحة كأنها قطع مقدودة من جبل. الضوء والعتمة يتناوبان على تظليل لونها حيناً وإحراقه حيناً. هكذا، تنتقل العين بين البرودة والحر في أعمال سبّبها «تراكم الزمن» أو ربما مراكمته، فأيهما يفضّل بعلبكي ترجمةً لعنوان معرضه Accumulation of time هل تُراكم اللوحة الزمن أم العكس؟
من خلال نحت طبقات من الألوان الزيتية وتركيبها، تغطي طبقات أخرى من مواد مختلفة ممزوجة مع الإكريليك، يحاول بعلبكي تمثّل الوقت في مساحة اللوحة وفراغها أو امتلائها. الألوان الزيتية هي الأقوى، وهي التي قرر الفنان أن يكون حضورها طاغياً، إذ يراها عناصر غنيّة وحيّة من الطبيعة التي يرسمها. ثمة تجريد صرف لنقطة ثابتة وموضوع حيّ وإشكالية محددة. إذ تبدو الأعمال شرائح أو مقاطع عرضية، تكوّنت بعد مراقبة حثيثة لبضعة سنتميترات في الطبيعة، أو تحديق ممعن في جوف الأرض بعين مجهرية. لوحات يقول عنها صاحبها «مجرد تفصيل دقيق وصغير من جدران أحد الكهوف أو من سطح حجر».
الفنان أيضاً متلقّ لكن من الطبيعة، وهي بدورها تراكم نفسها مع مرور الوقت عليها، تعرّي مناطق وتخفي أخرى. يقول بعلبكي «ثمة حاجة تلقائية إلى إخفاء الفجاجة مثل الخجل من عيب جسدي ما»، وهنا يُقدم الفنان في لوحته على الكشف والمجاهرة بالمسكوت. ومن جهة أخرى، يشعر بعلبكي بالزمن مضاعفاً، حتى إنّه يتذكّر الوقت الذي استغرقه لتكوين الطبقة، ثم انتظار جفافها لوضع طبقة لونية ثانية وثالثة. اللوحات تحدث في المساحة نفسها، واحدة تلو أخرى، من خلال مجاميع لونية وتراكيب معقدة ونتوءات بارزة للإيحاء بمتوالية زمنية بطيئة تحتاج أيضاً إلى تأمل بطيء يشبهها.
أعمال معرضه الذي ينطلق اليوم في بيروت، متفاوتة الأحجام، حددها حبّ بعلبكي للتفصيل الذي يرسمه... إلاّ أن معظمها جاء بقياسات كبيرة ترتبط بالامتداد البصري الأفقي. فالطبيعة واسعة والقَطْع الذي ينهمك به بعلبكي تفصيليّ، ما يعني أنّ ثمة مشروعاً يتطلّب التفكير وتحديد الخيارات، ثم الميل إلى مدّها ونقلها من المخفي والباطني إلى المعلن والصريح.
ويبدو أن لدى بعلبكي حاجة أو ميلاً تأليفياً لتقطيع العمل. فاللوحة الكبيرة مقسّمة إجمالاً إلى نصفين أو ثلاثة، مثل لوحات «جدار الأسرار» أو «بوابة الزمن» أو «تحت الأرض». وهو أمر بات مألوفاً ومطروقاً بكثرة في الفن التشكيلي المعاصر. وعن هذا، يقول بعلبكي «أحب التوازن، لذلك أقطّع اللوحة إلى أجزاء، هكذا أحس بأن ثمة انضباطية للعمل».
وفي المعرض كل لوحة تنفرد بلونها، مع غلبة طفيفة للون البرونزي، فيما استبعد الأسود والرمادي كلياً. ما يبرره بعلبكي بالرغبة في الابتعاد عن ألوان ترتبط بالحرب. أما الذهب فهو اللون المفضل لهذا الفنان الذي حاز «جائزة بينالي طهران 2003». إلا أنّ الذهب الذي استخدمه بعلبكي هو ذهب تخلّص من سوء السمعة وتحوّل ــــ على يد الفنان الشاب ــــ إلى عمق لوني مثلما هو في لوحة «تفصيل»، أو «تراكم الزمن» أو «بوابة الوقت»، أي إنّه «ليس الذهب بمفهومه السطحي»، بل كما هو مؤصّل وموجود كمادة خام في الأرض.
أما الإسراف اللوني، فيتجلّى في أعمال مثل «الاحتفاء بالطبيعة» مثلاً، ثمة تنوع لوني هائل: البنفسجي مع الأبيض الذي أُسس به العمل، الوردي حاضر بقوة والأزرق البارد أيضاً. حالة من البهجة اللونية ينطبق عليها اسم العمل تماماً. مثلما هي حال لوحة «جدار البهجة». إذ تظهر جرأة بعلبكي في استخدام أي لون ومزجه بنقيضه أحياناً، بحيث تنتهي الجوقة اللونية إلى قطعة بصرية واحدة يمكن تجزئتها مع الاستغراق في النظر، لكنها وحدة لونية متناقضة ومريحة في آن.
لكن الاستمتاع بجماليات لوحة بعلبكي التي تمتاز بدرجة عالية من التقنية والحرفيّة، لا يمنع من طرح سؤال مشروع عن هويّة الفنّ العربي الراهن: هل أخذ هذا الفنّ يتخلّى ــــ شيئاً فشيئاً ــــ عن حداثته وجِدّته؟ ولماذا ينتاب المتلقي أحياناً، إحساس بأنّه رأى لوحات هذا المعرض أو ذاك في مكان آخر. هل هي أعمال جميلة؟ إنّها كذلك. هل هي مبتكرة وجديدة؟ قد يكون الجواب أصعب. الاشتغال على اللون والأسطح الخشنة وتقطيع الأعمال والتدرّجات اللونية يعطيان للعمل التشكيلي هويّته المتصالحة مع السائد، أي يجعلانه منسجماً مع ما تألفه العين. إنها السمة الطاغية على أعمال الفنانين الشباب: فهل عين المتلقي في حاجة إلى آفاق ومراجع ذوقيّة أخرى؟ أم إن الفنانين الجدد لم تعد عندهم حاجة إلى التجاوز... وإلى تحريك مخيلاتهم الفنيّة خارج العادات المألوفة والطرق
المعبّدة؟

Accumulation of Time: حتى 31 أيار (مايو) الحالي ــــ غاليري «أجيال»، راس بيروت: 01،345213
www.agialart.com



صوفيّ يرسم في الضوء الطلق

Accumulation of time هو المعرض الفردي الأول لبعلبكي، كان يفترض أن يقام منذ عام 2005، وظل التأجيل مستمراً بسبب الأحداث السياسية المتوالية، حتى أنّ جزءاً من لوحاته وجد طريقه إلى باريس. يظهر المعرض ارتباط بعلبكي بالطبيعة ومفرداتها بشكل جلي ومنها يستنطق الفنان الشاب علاقة الوقت بالضوء، واختلاف مزاج قراءة العالم المحيط وبالتالي اللوحة المستنبطة منه، بحسب ضوء النهار. بعلبكي لا يعمل ليلاً، هو يرسم فقط في الضوء الطلق والحقيقي وبينما تكون الموسيقى الصوفية وصوت نصرت فاتح علي خان خلفيةً يعمل بعلبكي على هواها. بل إنّه يسمي لوحاته بأسماء مقاطع موسيقية صوفية منها «ولادة الضوء» و«ممر الصباح» التي يتحدث عنها صاحبها كمتصوف «لم أر الممر، كنت أسمع الموسيقى، وأرى ضوءاً ساطعاً ومشعاً في النهاية، لكنه مستحي».
من حسن حظ بعلبكي أنه استند إلى مصدرين في رؤيته: عينه على الطبيعة وأذنه مع الموسيقى الصوفية. إذ أن أفكار الصوفية وتجلياتها سرعان ما تنفذ فنياً، وتستنفذ طاقتها وتستدرج من يتوغل فيها إلى التكرار، من حيث أنها كلية وليست جزئية.
ولكن ما الذي يجمع بين تأمل الطبيعة وإلهام الموسيقى الصوفية؟ لوحة بعلبكي تشير إلى أن القاسم المشترك هو علامات النوتة الزمنية، والفراغ، والصمت، وتكوّن الطبقات التي تتحول في مخيلة الفنان إلى تراكم فكري ونفسي... وتساؤلات تتعلق بكل شيء، وتسعى إلى تكوين حالة ثقافية وفنية.