عمان ـ أحمد الزعتري

التجربة لا تخلو من الجرأة والطرافة والابتكار، والنزوع إلى تجاوز الحدود الاخلاقيّة المرسومة سلفاً من قبل المجتمع. تنتمي إلى فنّ البوح الذي يعد من العلامات المميزة للجيل الجديد في مختلف مجالات الإبداع في العالم العربي. إنّها ثمرة مشروع فني بدأ بجمع تلك الصدريات من صديقاتها، مع رصد قصّة كلّ منهنّ مع سوتيانتها الأولى. لكل سوتيانة قصتها التي تبرّر العلاقة الحساسة بين جسد المراهقة، وذلك الأكسسوار الذي يمتلك «وظيفة ميكانيكية خانقة». كما ترصد ديالا في معرضها التجارب الأولى لانتقال المرأة من الطفولة إلى البلوغ، في كتيّب يُنشر بالتزامن مع المشروع، ويشمل حكايات وشهادات من ذاكرة المراهقة وإحالاتها الحميمة.
كل قطعة في المعرض تحوّلت عملاً فنياً، بعدما أضافت خصاونة إليها عناصر ومواد بسيطة من الحياة اليوميّة. وقد تراوحت التجارب بين المثير والمُحرِج والخانق: هناك مثلاً سوتيانة معروضة، اشتغلت الفنانة عليها عبر إضافة دبابيس وملاقط لأنّها تُشعر صاحبتها بالاختناق. وهناك سوتيانة أخرى خيطت بها دنانير ورقية في إشارة إلى عادة نسائية قديمة، تقضي بوضع النقود في حمّالة الصدر. كما عرضت خصاونة نماذج من حمالات نهود مثيرة، زُيّنت بأقمشة ناعمة وورق «سيلوفان» واكسسوارات ترتديها المرأة في لحظاتها الخاصة والحميمة.
ولهذا الأكسسوار الخاص في الموضة النسائيّة، قصّته الثقافيّة والسياسيّة، كما هو معروف. في سبعينيات القرن الماضي، تعاطت الحركات النسوية مع السوتيانة علناً، للإشارة إلى دورها في تحديد الهوية الجنسية. وبدأ استعمال مصطلح Bra-Burning حين أقدمت مجموعة من المناضلات النسويات في أميركا عام 1968 على «حرق حمّالات الصدر»، خلال تظاهرة احتجاج على مسابقة ملكات الجمال. وفي مشهد استعراضي، رمت المناضلات الغاضبات كل الأدوات والملابس والأكسسوارات التي ترمز إلى «أنوثة المرأة المخصية»، بتعبير الكاتبة النسويّة الأوسترالية جيرمين جرير، من أحذية بكعوب عالية، وأقلام أحمر الشفاه، وسوتيانات...
أما خصاونة، فترى أنّ حمّالة الصدر تمثّل «صورة نمطية لإثارة الرجل» وتضيف: «هناك قصص كثيرة عن التجربة الأولى التي مثّلت رعباً للفتيات الصغيرات، إذ تمارس موظفة البوتيك «عنفاً» في التعامل مع الصبية التي تأتي لترتدي سوتيانتها الأولى، من دون أن تقيم وزناً للرعب الذي يعتريها من هذه الخطوة الرمزيّة التي تعلن انتقالها من الطفولة إلى البلوغ». ديالا التي خاضت تجارب عدّة في الكتابة والفنّ، تستخدم في مشاريعها موادّ يومية ومواضيع مستهلكة تعيد إنتاجها بحس بصري وجمالي مجرّد، وهذا واضح في مشاريعها ومعارضها. الفنّانة التي درست الهندسة المعمارية، اشتغلت مرةً على علاقة رجل الشارع الأردني بشاحنة DYANA ـــــ ماركة تويوتا الأكثر انتشاراً في الأردن. هكذا، عرّت العلاقة الخشنة بين السائقين من جهة، وبين سياراتهم المزركشة بإكسسوارات ناعمة وألوان فاقعة، فإذا بها تُبرز أيضاً الجزء الأنثوي عند الرجل وحاجته أحياناً إلى تخصيص زاوية من عالمه لهذا الجزء الكامن في شخصيته.
مشاريع هذه الفنّانة الأردنيّة الشابة التي تعمل في التصوير والتجهيز، تكتسي في الغالب طابعاً سجالياً، ونقداً ضمنياً للثقافة المهيمنة. فبعدما كان مقرّراً عرض مشروع «السوتيانة الأولى» في محل تجاري لمدة أسبوعين، تراجعت صاحبة المحل عن قرارها بحجّة أنّ «سمعتها ستتضرر». وتعتبر خصاونة أنّ موقف تلك السيدة هو جزء من فكرة المعرض التي تهدف إلى «تسليط الضوء على هذا الجهاز الميكانيكي، ومشاركة النساء في سرّ يعرفه الناس جميعاً لكنهم يتعاملون معه على أنّه من المحظورات». وتأمل ديالا خصاونة أن يجذب المعرض رجل الشارع العادي ويُحدث صدمة في الوعي العام، حول مكانة المرأة وحساسيتها وجسدها.

«محلات السوتيانة الأولى»،: حتى 4 حزيران (يونيو) المقبل ـــــ غاليري «مكان»، عمّان ـ +962777334600 ـ www.makanhouse.net