نوال العلي

قد لا يكون هذا صحيحاً، بمعنى أنّ كعوش قد لا تكون متأثرةً بأحد، مع التأكيد على احتمال صحة العكس. لكنّ هذه الحالة الدائمة من ربط عشوائي وساذج أحياناً يجعل كعوش نفسها تتواطأ على التصديق بأنّها قد تكون كذلك، بل تذهب إلى التصالح مع الأبوّة الفنيّة حدّ الرضى عنها، فتقول «إذا كان في رسوماتي شيء من العلي، فسأكون سعيدة». لكنّ هذا ليس إحساساً إبداعيّاً، إنه انتماء وطنيّ لا يصلح للفن. وفي الذكرى الستين للنكبة، تكتب كعوش في مدوّنتها Hanthalah and Meiroun are now friends. (حنظلة وميرون أصبحا صديقين).
ترسم كعوش شخصية «ميرون» من دون الكثير من التأمل، أفكارها بسيطة وكذلك جماليّات الخطوط. وفي 50 لوحة، تعرض ضمن «مهرجان الربيع» في مسرح «دوار الشمس»، تضع كعوش الكثير مما هو أنثويّ جوانيّ. حتى يُخيل للمرء أنّها ترسم غير عابئةٍ بالأثر الذي ستتركه على من يراها. السياسة ليست مستنبتاً أساسياً لأفكارها. أما فلسطين فموجودةٌ على نحو عاديّ، تجسّدها الخريطة والكوفيّة والخيمة.
تحمل «ميرون» اسم قرية كعوش في فلسطين، وهي ليست كحال «حنظلة» توقيعاً أو بصمةً في زاوية العمل، بل الشخصيّة الموضوع التي نتساءل كيف ستكون صيرورتها الفنيّة إن ظلت على هذه الحال من البراءة المستمرة. فهي وإن أخفت الفنانة وأستاذة الأحياء وجهها، إلا أنّ ملامحها ليست صعبة التخمين، وخاصة بجدائلها وثوبها الأسود الطويل الذي يغطي قامتها النحيلة، أليست هذه صورة المرأة التقليديّة بأقصى درجاتها؟
ليس من رابط حتميّ هنا بين النمطيّة التي تقدم بها «ميرون» وما يمكن أن تصير إليه، على العكس، ربما أمكن للفنانة بهذا الشكل أن تُحدث ما هو صادمٌ من خلال تحميل الفكرة لنقيضها. المشكلة هنا أنّ كعوش تبدو كأنّها ليست ابنة هذا الزمان. فـ«ميرون» حالمة ومرتبطة بالقمر وأغاني فيروز القديمة وبنافذةٍ مفتوحة على حديقةٍ من الرومنسيات الذابلة. وهي إن جاز القول شخصيةٌ كاريكاتورية من نوع خاص: ليست حادّة ولا ناقدة، تغضب أحياناً لكنّ غضبها ليس بقوّة هدوئها. وتوضع في مواقف بعيدةٍ تماماً عن السخرية والتهكّم والحدّة، وعلى مسافة أقرب من العاطفة والاستغراق في الحلم أو البحث عنه.
هذه الحساسية لا تخفي ذكاء كعوش الفني. إذ تتميز أعمالها بسرعة البديهة الواضحة، والقرب من المُشاهد والبعد عن التعقيد، وبقلة محتويات العمل أيضاً، فالرسوم غير مكتظة، هناك خطان أو ثلاثة في الرسمة الواحدة. لكن ما ينقص كاريكاتور كعوش هو فعلاً ما يحتاجه هذا الفن من تفنّن في المبالغة، وترك الأشياء الصامتة والهامشية تظهر برعونة. ربما كان ينبغي للفنانة أن تترك شيئاً من دون تشذيب، حيث تظهر قطعتها الكاريكاتورية وقد وُضع كل خط حيث ينبغي أن يكون من دون أخطاءٍ مقصودةٍ كالتي يتطلبها الكاريكاتور عادة، من دون طيشٍ أو شيطنة.
التكرار في المضامين صفةٌ عامة لأعمال كعوش. وغالباً ما ترسم طالبة الغناء الشرقي «ميرون» وهي تحاول الوصول إلى قمر، مرة في سمائه ومرة في باطن الأرض، ومرة مرسوماً على قطعة قماش.
ولأعمالها اتخذت كعوش عناوين من أغاني فيروز مثل «وحبيبي ما لفي»، «عن الحزن والانتظار» أو «يا ورد مين يشتريك» لعبد الوهاب أو قصيدة لتوفيق زيّاد (أحكي للعالم) أو لوحة لبيكاسو (غيرنيكا).
في عملها المعنون «رأيت رام الله» ــــ الذي فاز أخيراً بالجائزة الأولى لمسابقة «حنظلة للرسم الكاريكاتوري» التي تنظمها «مؤسسة المورد الثقافي» في الذكرى الستين للنكبة ــــ تكتب كعوش عبارة «بالإذن من مريد برغوثي»، راسمةً ما تحدثت عنه حول التواصل مع الفلسطينيين في الداخل، والذي كان وراء اندفاعها إلى الرسم: «أحس أنّ هناك أشخاصاً لهم نفس لهجتي وأحلامي وجنسيتي يتأثرون بما أفعل، وأنا أتأثر بما يقولون، لذلك أستمر في رسم «ميرون» التي أحبّوها».
ظهرت «ميرون» أول مرة في رسمة (2005) مع قلب أحمر وقمر أخضر، وظلت رفيقة دفتر الرسم الذي تحمله كعوش. لكنّ «ميرون» طفلة ما زالت في خطوطها الأولى. محاولات تكشف طريقاً وتبشّر بموهبة... أما الفن بمعناه التقني والجمالي والإبداعي فيأتي لاحقاً.

حتى 15 حزيران (يونيو) المقبل، مسرح «دوار الشمس»، الطيونة ــــ 01381290
meiroun.blogspot.com