فيلم بول توماس أندرسون الجديد الذي فاز أخيراً باثنتين من جوائز الأوسكار، يقدّم العنف بجرعات كبيرة (مؤسلبة)، مستدرجاً المتفرّج إلى عالم سينمائي غنيّ، من الإخراج إلى التمثيل، مروراً بالكاميرا والشريط الصوتي. «سيسيل دم كثير» مغامرة فرديّة تقارب تاريخ أميركا من دون رؤيا سياسيّة

بيار أبي صعب
المشهد شاسع وخلّاب، لا يخلو من إحساس بالوحشة... أرض قاسية ونباتات بريّة، منبسطات وتلال. إنّه ديكور الـ «وسترن» بامتياز. البطل بدوره يذكّر من بعيد بأبطال أفلام رعاة البقر. متوحّد ومغامر، جلف مع لحظات عابرة من الرقّة، مكافح عنيد ضد الطبيعة والبشر، لنيل ما يريده... شرس بطبيعة الحال، وحده ضدّ كل شيء. الكاميرا ثابتة واللقطات طويلة والكادر واسع وحركات الترافلينغ بطيئة.
لكنّ فيلم بول توماس أندرسون الجديد «سيسيل دم كثير» الذي يعرض حالياً على الشاشات العربية والأوروبيّة (أو «ستكون هناك دماء» حسب الترجمة الحرفيّة لـ There Will Be Blood)، ليس فيلم ويسترن. إلى بصمات سيرجيو ليوني تضاف مناخات أفلام المافيا على طريقة سكورسيزي، وهناك شيء من «المواطن كاين» لأورسون ويلز الذي تخيّم روحه على الرؤيا العامة للعمل. إنّه فيلم يعيد الصلة بتجارب أساسيّة في السينما الأميركيّة، ليتناول مرحلة مفصليّة في تاريخ الولايات المتحدة، الخارجة من الحروب الانفصاليّة وغزو الغرب البعيد ــــ عشيّة مرحلة «الحظر» prohibition ــــ إلى رأسماليّة قائمة على استغلال الأضعف، وتسخير القيم على مذبح المبادرة الحرّة ومنطق الربح. وفي هذا العالم الذي تحكمه شريعة الغاب، الغلبة دائماً للأقوى والأدهى.
تلك المرحلة التأسيسيّة في تاريخ أميركا، نستعيدها هنا من خلال مغامرة فرديّة طبعاً. يستند الفيلم إلى رواية «بترول!» لأبتون سنكلير (١٩٢٧ ــــ راجع الكادر أدناه)، بعدما عزل جانبها السياسي، وجرّدها من رؤيتها القائمة على نقد الاستغلال الطبقي وفضحه. إنّها قصّة صعود دنيال بلاينفيو (دنيال داي ــــ لويس، أوسكار أفضل ممثّل)، المنقب عن النفط الذي سيتجاوز المصاعب، ويغوص في الوحول، ويسحق الضعفاء، ليصبح ثرياً، ولو على أنهار من الوحل والدماء، وعلى حساب إنسانيته.
المَشاهد الأولى صامتة، إلا من لهاث، وأصوات أدوات معدنيّة بدائيّة، وتلك الموسيقى الحادة التي تضرب أعصاب المتفرّج، تشي بقلق عميق لن يفلت منه طوال ساعتين ونصف تمرّ بسرعة مدهشة... الـ ٢٠ دقيقة الأولى من دون كلمة. رجل يحفر في الصخر، داخل بقايا منجم، ينتهي الليل ويطلع النهار... يبحث عن فتات الذهب، أو ما بقي منه بعدما عبر موكب الباحثين عن الذهب، ودخلنا عصراً جديداً. بالغرامات القليلة التي يحظى بها بعد أن كاد يتهشّم جسده، سيشتري هذا المغامر العنيد بطاقة دخوله إلى القرن العشرين: ما يكفي من المعدات لحفر باطن الأرض بحثاً عن الذهب الأسود.
نحن في الولايات المتحدة مطلع القرن العشرين مع انطلاق الثورة الصناعيّة وانتشار آبار التنقيب عن النفط التي ستغيّر وجه الجنوب الأميركي. عامل المناجم الطموح سيمضي إلى قرية نائية فقيرة في كاليفورنيا، أرضها قاحلة لا ينبت فيها القمح. يشتري الأرض من أصحابها بأبخس الأثمان، وتبدأ طريق الاستغلال الطويل للبشر... تتعاقب الضحايا والجثث على طريق صعوده. أمام كل حادث أو عقبة أو تحدٍّ جديد سيزداد فتكاً وشراسة، يسحق الأصعف، ويستغل كل الناس بدءاً بابنه بالتبني، ولا يرتدع عن شيء لبلوغ أهدافه. وشيئاً فشيئاً يغرق في هوّة سحيقة ويروح يشبه، عند ذروة نجاحه، وحشاً بشريّاً.
هذا الاستغلالي المتسلّط، والداهية الانتهازي الذي يتلاعب بالبشر والمبادئ... هناك شخص وحيد يمكن أن يقف بوجهه في هذا العالم الذكوري البلا نساء: إنّه الداعية الأصولي إيلي سانداي (بول دانو) الذي يستغل الناس من خلال الخطاب الديني، ويمضي بهم إلى مزيد من التزمّت والاستلاب. المواجهة بين الاثنين ستكون حادة، متأرجحة بين كرّ وفرّ، وتنتهي بطريقة وحشيّة مفجعة... بعد أن يكون دنيال بلاينفيو قد بلغ أحط دركات الانحطاط، مرتمياً وحده جثّةً حيّة في قاعة البولينغ في قصره، ومن تحته تسيل أنهار من الدماء التي تلطّخ الحلم الأميركي، وتكشف الوجه الآخر للفردوس الموعود.
دنيال داي ــــ لويس، بطل «عصابات نيويورك» (سكورسيزي) مذهل في الفيلم، بأدائه وتحولات جسده وصوته وحركات وجهه ونظرته المقلقة. بول دانو كذلك، لافت في ملامح المبشّر الدجال الذي يعرف كيف يخدّر بأفيونه الجماهير... وكيف يقف في مواجهة داي ــــ لويس! الفيلم يقدّم درجة عالية من متعة المشاهدة، فهو مشغول بعناية في أدق التفاصيل، من إدارة الممثلين إلى تشكيل الكادر والضوء، كأن كل مشهد لوحة بذاتها... وحركة الكاميرا التي تنخرط في القصّة حتى تتلطّخ بوحلها (أوسكار أفضل تصوير لروبرت إلسويت). وتأتي الموسيقى الحاضرة بقوّة، لتؤدّي دوراً حاسماً في البنية الفنية للفيلم، إذ تشد أنفاس المتفرّج، وتتحكّم في أحاسيسه وانفعالاته (تأليف جوني غرينوود، عازف الغيتار في فريق Radiohead ــــ حاز إحدى جوائز الدب الفضّي في مهرجان «برلين» الأخير)...
لم يغامر بول توماس أندرسون، في الاقتراب من الراهن السياسي في العالم، من خلال مفاتيح كالنفط والدين واستغلال الأضعف. وقد تخفّف من النظرة النقديّة للرواية الأصليّة. لكنّ مخرج «بوغي نايتس» و«مانيوليا»، قدّم هنا تجربة استثنائيّة بلا شك من وجهة نظر جماليّة صرفة. «سيَسيل دم كثير» من الأفلام التي ستطبع ذاكرتنا السينمائيّة، بعدما دخلت تاريخ الفنّ السابع من بابه العريض.

There will be blood في صالات أمبير («سينما سيتي»، «دون» وسوديكو»)
وصالاتي بلانيت («أبراج» و«زوق»)





الرفيـــــق الـ muckraker أبتـــــون سنكليـــــر
فيلم بول توماس أندرسون فرصة ثمينة لإعادة اكتشاف كاتب أميركي مهمّ اسمه أبتون سنكلير. ذلك أنّ «سيَسيل دم كثير» يستند إلى (جانب من) روايته «بترول!» المكتوبة عام ١٩٢٧، التي عُدَّت انقلابيّة وصداميّة ومسيئة إلى الأخلاق العامة في حينها، ما أدّى إلى منعها في أميركا.
«بترول!» التي ترجمت منذ ذلك الوقت إلى أكثر من٢٠ لغة، ويعاد الآن طبعها حول العالم، ملحمة من ٦٠٠ صفحة، ما زالت راهنة ومثيرة للاهتمام. إنّها من الأعمال الكلاسيكيّة في الأدب الأميركي، إذ خلقت لغة وأسلوباً ونمطاً أدبياً، وعرفت رواجاً شعبياً... تختصر الرواية عصراً ومرحلة، وجزءاً أساسيّاً من تاريخ الولايات المتحدة الطالعة من الحرب الانفصاليّة وغزو الغرب البعيد، والداخلة ـــــ عشيّة سنوات «الحظر» prohibition ــــ في رأسماليّة بلا رحمة، قائمة على هدر دماء كثيرة، وعبودية بلا قرار في «أدغال» نظام اقتصادي، تسوده شريعة الغاب ويحكمه منطق الأقوى.
أبتون سنكلير (١٨٧٨ــــ ١٩٦٨) الذي رآه النقد في فرنسا «إميل زولا المقلب الآخر من الأطلسي»، كان كاتباً غزيراً (أكثر من ٩٠ عملاً)، ومناضلاً يساريّاً دافع عن الفكرة الاشتراكيّة والمساواة، وناضل في الحركات المطلبيّة، وانتقد تجاوزات المجتمع الأميركي منتمياً إلى تيّار «فاضحي العيوب» muckraker الذي ضمّ كتّاباً وصحافيين بارزين، خلال ثلاثينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة. وإذا كانت «بترول!» تؤرّخ لولادة صناعة النفط في أميركا، وانعكاسات ذلك على القيم والمجتمع والطبيعة، فهي رواية سياسية «ملتزمة» أولاً: تكشف الاستغلال والعنف وضياع القيم الإنسانيّة من خلال رحلة صعود جاي. أرنولد روس المغامر الذي يجمع ثروة كبرى من خلال استخراج البترول، و... يخسر نفسه.
في «أدغال» (الرواية التي شهرته عام ١٩٠٦)، كشف سينكلير عالم البؤس والاستلاب في مسالخ شيكاغو، والغش المنظّم من خلال تعليب اللحوم الفاسدة، وقد أدت الرواية دوراً أساسياً حينذاك في تغيير قوانين حماية الصحة العامة. أما في «بوسطن» (١٩٢٨)، فيستعيد قصّة إعدام المناضلين الفوضويّين ساكو وفانزيتي... في ١٩٣٤ خسر بأصوات قليلة فرصة انتخابه حاكم كاليفورنيا عن الديموقراطيين، على أساس برنامجه الشهير EPIC «نهاية الفقر في كاليفورنيا». وفي أوائل الثلاثينيات أنتج فيلم للسينمائي السوفياتي الشهير سيرغاي آيزنشتيان بعنوان Que Viva Mexico... لكن الفيلم لم يبصر النور، وبقي منه في العلب عشرات الساعات من الأفلام.