نوال العلي

الطيبون هم الأقل حظاً ومالاً وحيلةًً أيضاً، وهم الأسرع يأساً بالضرورة. أليست هذه قيم العالم الجديد الذي بدأ عصر المال يرسم بورتريه له منذ بداية الثمانينيات. وهي الفترة التي تدور فيها أحداث «لا بلد للعجائز» الذي أهّل هذا العام مخرجيه الشقيقين كوين لأوسكار أفضل مخرج وأفضل فيلم وأفضل سيناريو مقتبس عن رواية الأميركي كورماك مكارثي بالعنوان نفسه.
يتقاعد العمدة إد توم بيل (تومي لي جونز) سليل عائلة من رجال البوليس، مثلما تتحوّل حياة الرجل الخمسيني لويلين موس (جوش برولان) إلى جحيم، بينما الشاب أنتون شيغر (خافيير بارديم) يَقتل بسلام وينعم بالنقود.
ليس في سرد هذه النتائج حرقاً لأحداث No Country For Old Men الذي سيبدأ عرضه في الصالات اللبنانية الخميس المقبل. فهذه ليست الخاتمة أصلاً، وفكرة الفيلم كلّها في مكان آخر بعيداً عن السير التقليدي للأحداث.
يحمل العمل غرائبيته وإثارته في الصورة وتسلسل الأحداث الذي يدافع عن واقعيته ولاواقعيته بهدوء. وتكمن المادة الأساسية في هيمنة أجواء القصة، والحوارات المتقطعة الحادة، والطريقة الجديدة في تقديم حِرفة القتل؛ هذه الصفات هي التي ميّزت أعمال الأخوين جويل وإيثان كوين.
يخلو الشريط من الموسيقى، فلا صوت يعلو على صوت الواقع، صوت الصمت في الصحراء الممتدة من تكساس حتى حدود المكسيك، صوت الشاحنات والسيارات، وطبعاً صوت الرصاص والقتل. والأهم من كل هذا صوت القاتل أنتون شيغر، حين يتحدث بلكنة صعبة وهدوء رصين وبجمل مقتضبة، إلى ضحايا كثر يقولون الشيء نفسه كلّ مرة: «لا داعي إلى أن تفعل ذلك».
ورغم ما يقال عن التزام الأخوين كوين أجواء رواية كورماك مكارثي، إلا أن هذه الأجواء وتصوير التفاصيل والطبيعة والاحتفاظ بلهجة الولاية التي تدور فيها الأحداث (تكساس هنا)، هي أيضاً سمة انسحبت على العديد من أفلام الأخوين كوين. في فيلم Raising Arizona، تغلب الطبيعة والجغرافيا الأريزونية على المشاهد مثلما تظهر الشخصيات الأريزونية النمطية بوضوح. وفي Fargo تتضح لهجة سكّان داكوتا ومينيسوتا، بل يمثّل ذلك عنصراً أساسياً من مناخ العمل، وكذلك هي حال أعمالهما الأخرى.
لكنّ الكوميديا السوداء التي اتّسمت بها معظم أعمال الاثنين تتوارى تقريباً من «لا بلد للعجائز»، لتظهر أحياناً في بعض حركات القاتل وقَصَة شعره وابتسامته وطريقته في الحديث إلى ضحاياه.
ويبدو أنّ الممثل الإسباني خافير بارديم (نال جائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد) وجد نفسه في شخصية القاتل أكثر منه في دور العاشق الذي جسّده في «الحب في زمن الكوليرا».
يروي الفيلم حكاية القيم التي تفرض نفسها على الواقع الحديث، حيث الخير لا ينتصر ولا يُعطى الشر معنى منطقياً لدى أتباعه. أمّا اللقطات التي يتوقعها أي مشاهد من فيلم مطاردات بين قاتل محترف ورجل شرطة، فهي غير موجودة.
لا تظهر الشخصيات الرئيسة الثلاث أبداً في مشهد واحد، بل تربطها خلفية القصة فقط، من حيث تبدو كأنّ عقدة العمل تحدث إلى جانب المطاردة التي يدور فيها الثلاثة، حيث القاتل هو الطرف الأقوى فيها. حتى إن مشهد المواجهة بين الخصمين شيغر والرجل الخمسيني لويلين موس غير موجود أصلاً، إذ يفضّل المخرجان تقديم صورة موس قتيلاً فقط، كأن الأمر تحصيل حاصل أن ينجح شيغر في مهمته.
لا ينحاز العمل لمفهوم الأخلاق التي تتدخل في نسيج الحياة، بل يقدّم الشخصيات ببرودة، كل واحدة على حدة، وكذلك يفعل بالمجتمع المحيط بها. كأن يصادف ثلاثة من الشبان موس مصاباً وغارقاً بدمه فيعرض عليهم 500 دولار مقابل أن يرتدي سترة أحدهم، فيبدأ آخر بمساومته على قميصه أيضاً.
أمّا المساعدة غير المشروطة، فلا يبادر بها سوى كبار السن، مرة حين تتعطل سيارة شيغر على الطريق، ومرة حين يفر موس جريحاً من المستشفى، فالمجتمع الشاب مفرغ من القيم الإنسانية القديمة، مقابل قيمة واحدة متسيدة هي المال، الذي كثيراً ما كان سبباً في حدوث الجرائم في أفلام الأخوين كوين.
ويجسّد الظهور القليل للعمدة غياب السلطة، فبيل محبط يفكر في التقاعد ولا يبذل جهداً كبيراً في العثور على القاتل، بل يبدو متصالحاً مع حقيقة أنّه لن يتمكن من الإمساك به. أمّا موس، فتتغير حياته بعد عثوره على مجموعة من المهربين القتلى وسط الصحراء ومعهم حقيبة فيها مليونا دولار، فيأخذها
ويمضي.
تدور الأحداث كلها في العراء وعلى الأوتوستراد، ومن نُزل إلى آخر. وبينما يبدو الجميع مرتبكاً، يظلّ القاتل شيغر هادئاً وواثقاً بسير الأحداث لمصلحته، ربما لأنه يرى العالم بمزاجه هو، ويؤمن بمصير اجتماعي جديد يحتكم للمال والقوة فقط. أمّا أخلاق الكبار تلك، فقد شاخت معهم وعفا عليها الزمن.
الأخوان كوين اللذان بدآ مسيرتهما السينمائية بفيلم Blood Simple (1984) انتهيا حديثاً من تصوير Burn After Reading من بطولة براد بيت وجورج كلوني وسيُعرض في الخريف المقبل. كما بدآ العمل على فيلم «رجلّ جادّ» الذي سيُنتج عام
2009 .

No Country For Old Men ــ بدءاً من 6 آذار (مارس) في صالات «أمبير»
www.circuit-empire.com.lb